حديث عبد السلام لشجرة




"7"


"تخرجت من كلية الزراعة فتلقفني الجيش، هزمني في حرب وحاصرني في الثانية، لم أحزن ولا أصابني ضجر؛ ولكن وقد خرجت وجدت كأني في ناحية والدنيا هذه التي خلقها الله لنا جميعا في ناحية. هل تحسب أني أحب "الطاولة" أو الجلوس بالمقهى؟ هل تحسب أننا سنستمر نفعل ذلك؟ لو حدث لاكتملت المأساة. الطبيعي أن نفترق، يشق كل منا لنفسه حياة ويتذكر الآخرين لكننا لا نستطيع .. ليس لأن الدخيلة صغيرة ولا تزيد عن شارع واحد وبضعة أزقة؛ ولكن لأنه لا يوجد لأي منا موضوع يسعى وراءه. هل تعرف لماذا يصر حسنين على الدراسة في هذا العمر؟ لا تقل للحصول على مؤهل جامعي، ما قيمة مؤهل جامعي في زمن فيه عبده الفكهاني؟ حسنين إن لم يفعل ذلك سيجد وقتا يفكر فيه في نفسه. وأنت لديك شقة، ووحيد بلا أعباء، ولكنك أيضا لا تريد أن تشق لنفسك حياة. لماذا لا تتزوج وقد قطعت أصعب خطوة؟ هل تحيا حياة لذيذة؟ لا أعتقد، وهي أيضا ليست قبيحة، لكنها بلا طعم. لا بد أنك تعرف ذلك ولا تريد أن تواجه نفسك. الوحيد الذي وجد موضوعا لحياته هو ماجد .. أصبح يدير صيدلية هو صاحبها؛ لكنها بدلا من أن تصبح موضوعا لحياته كما ينبغي - أي قاعدة يقف فوقها - أصبح لا يتركها إلا في القليل النادر، صارت الصيدلية حياته نفسها يختبيء فيها من الدنيا. أنا مثلكم وأزيد .. لا أجد شيئا يهزمني أو أهزمه، عمل روتيني في تفتيش زراعي برشيد أكسل في معظم الأيام عن الذهاب إليه، فأنام حتى الظهيرة ولا يحاسبني رئيس. لو سألتني عن الزراعة لوجدت أني نسيت كل شيء، لو سألتني عن عمل آخر لقلت لك أني مهندس زراعي. نحن جميعا لسنا بناجحين في شيء ولا فاشلين أيضا، نقف وسط الفضاء الفارغ. خرجت من الجيش - الذي لا أحب الخوض في تجربتي فيه - لا أعرف كيف نجوت، هذه هي الخلاصة. أحاول أن أضع ستارا من حديد بيني وبينه، ولقد نجحت إلا مع شخص واحد .. جندي صغير التحق بالجيش بعدي بخمس سنوات .. شدني وجهه الطفولي الجميل، صوته الهاديء المريح، وكنت أحس به دائما أكبر مني.



كان يملأ خنادقنا بحكايات من كل عصر وكل بلد. دائما تجد عنده رواية تقرأها. كدت لا أصدق أنه طبيب. قبل الحرب بأيام انفرد بي بعد منتصف الليل قال أنه من الضروري أن نلتقي بعد الحرب، قلت: "موافق. بعد الحرب" وكنت أبتسم، قال أنه لا يهزل والحرب بعد أيام. كيف عرف ذلك؟ أنا وآلاف مثلي مللنا المشاريع العسكرية والانتظار ولم نر حربا في الأفق. كان مختلفا عن كل من عرفت، لم يكن على اتصال بأي جهه يمكن أن تبلغه بموعد الحرب، مجرد جندي عادي كان، والحرب لم نعرفها إلا وقت بدئها، لم يعرف بها الضباط أيضا، ولا بد أن الشعب نفسه لم يكن يعرف. لا بد أنك قرأت شيئا عن ذلك في الصحف. سألته لماذا يريدنا أن نلتقي بعد الحرب؟ سألني ماذا أفعل في الأجازات؟ قلت أرى أمي وأبي وإخوتي وألعب الطاولة مع أصدقائي وأنام. قال عما يتحدثون؟ قلت في المقهى نلعب وفي البيت يتشاجرون. قال: "بين الشجار واللعب ضاعت حياتنا. البلد نفسها ضاعت ولابد من إنقاذها". وقال ببساطة شديدة أذهلتني .. أنني، معه، نستطيع أن نفعل ذلك، وأنني الوحيد من بين المئات الذين قابلهم في الجيش الذي أصلح لتلك المهمة. قال أننا سنهزم إسرائيل، ليس لأننا أقوى منها؛ ولكن لأننا سنحارب بروح المنتحر. الخنادق والتدريب المتكرر لسنوات بهذا الطول تجعل الانتحار حياة حقيقية. سنحارب لأننا سننتحر، الانتحار أيضا يمكن استثماره. هذا ما سيحدث بالضبط، وقال مرة ثانية: "بعد أيام".

كنت أرتعش من جديته، وكدت أبكي معه حين بكى. ليلتها لم أنم، لليالي بعدها لم أنم. في الأيام الأولى للحرب بدت لي المعارك كالأحلام، كنت نائما وأنا أعبر، نائما وأنا أجري فوق رمال سيناء، ونمت مرة لوقت طويل .. كانت غارة شديدة فوق موقعنا الجديد على الضفة الشرقية، انتهت الغارة وحملوا القتلى وأنا نائم نوما حقيقيا وعبروا بهم إلى الضفة الغربية. من يومها لم أره، لم أذرف دمعة لأن الجنود لا يبكون؛ لكني كثيرا ما تعذبت بالسؤال: (هل أنا قادر حقا أن أقود ثورة في هذا البلد؟ ولماذا؟) .. أنا شخصيا لا أشعر أن هناك مشكلة عند أحد، كل من أعرفه يدبر أموره بطريقة ما، ورغم ذلك كثيرا ما فكرت في هدف أدبر أموري تجاهه ولم أصل لنتيجة. خرجت من الجيش فاكتشفت أني تجاوزت الثلاثين بثلاث سنوات، حتى الأزياء وتسريحة الشعر وتسوية السوالف تغيرت. لا يستطيع من تجاوز الثلاثين فجأة مثلي أن يفعل شيئا. لكنك أنت، أنت يا شجرة ومعك ماجد وحسنين المخطئون الحقيقيون؛ لأنه كانت لكل منكم الفرصة كاملة في إحصاء السنين، ولك أن تعتبرني مجنونا إذا شئت".

* من صفحة 69 إلى صفحة 72 من رواية بيت الياسمين – إبراهيم عبد المجيد - الطبعة الثانية 1993 – طبعة دار ومطابع المستقبل بالفجالة والاسكندرية