قناة السويس .. الأسطول الأصفر كان هنا


عبد اللطيف الطحانمدى مصر



رغم كل هذا الحديث عن قناة السويس فى الفترة الماضية؛ تندر أو تنعدم الإشارة لواحدة من القصص المذهلة التى جرت وقائعها بالقناة، حتى عندما نشر موقع "الشروق" موضوعا عن الطوابع التى تؤرخ للقناة غفل عن طوابع الأسطول الأصفر التى ربما تكون هى الأهم بالنسبة لهواة جمع الطوابع حول العالم. هذا المقال محاولة لإزالة بعض الرمال- التى اكتسب الأسطول لونه منها- عن القصة التى تستحق أن تعرف للرحلة البحرية الحقيقية التى لم يكن أطول منها إلا الأوديسا فى عالم الخيال.

***

"أظن أن البحيرة عمقها أربعون قدمًا من الماء وخمسة أقدام من زجاجات البيرة".. أحد ضباط السفينة "أفريكان جلين".

***

ربما اعتقد طاقم سفينة الشحن الأمريكية "أفريكان جلين" أن الحظ يواتيهم وأن الأيام القلقة فى هذه الرحلة قد انتهت؛ فقد ظلت السفينة فى فيتنام أحد عشر يومًا دون أن يواجهوا أية مشاكل أو إطلاق نار، وبعد تسليمهم للشحنة ذات الطابع العسكرى، ها هم فى طريقهم للعودة، على العكس تمامًا من السفينة البلغارية "فاسيل ليفسكاى" المتوجهة لفيتنام بشحنة غامضة وسرية. ولكن لم تكن أخبار فيتنام هى ما يتابعه حول العالم أطقم السفن التى تنوى المرور بقناة السويس خلال أيام، بل أخبار الأزمة بين مصر وإسرائيل، عبر الـ"بى بى سى" كان طاقم السفينة البريطانية "بورت إنفيركارجيل"- التى تأخرت يومين فى جيبوتي للتزود بالوقود- يتابع الموقف؛ واطمأنوا نسبيا لتصريحات عبد الناصر بعدم وقف الملاحة فى القناة، سفينة شحن بريطانية أخرى هى "ميلامبس" توقفت فجأة فى عدن بأمر من الحكومة البريطانية لتحميل شحنة حكومية (ربما تكون ذخيرة) واستغل طاقهما التوقف فى إجراء تصويت فى ظل تصاعد الأحداث حول إن كان عليهم دخول البحر الأحمر ثم قناة السويس أو الدوران حول رأس الرجاء الصالح، وكان القرار هو المرور عبر قناة السويس.

فى فجر ٥ يونيو ١٩٦٧ تحركت قافلة السفن القادمة من الجنوب عبر القناة فى رحلة يفترض أنها مباشرة إلى البحر المتوسط، فى الوقت الذى رست فيه القافلة القادمة من الشمال فى البحيرة المرة لحين عبور القافلة الأخرى، فجرًا أيضًا تحركت الطائرات الإسرائيلية لتوجه ضربة لقواعد ومطارات الجيش المصري لتبدأ حربًا متوقعة، فى البداية سمع أطقم وركاب السفن أصواتا لإطلاق نار وانفجارات اعتقدوا أنها ربما تدريبات للجيش المصري على مقربة من ضفاف القناة أو ربما تمنوا هذا، فى التاسعة تقريبًا كان أحد عمال "ميلامبس" أعلى صارى السفينة يؤدى بعض أعمال الصيانة عندما لمح بعينيه على الجانب الغربى من القناة الجنود المصريين يوجهون أسلحتهم للأعلى، للحظة أعتقد أنهم يوجهونها إليه؛ ولكن فجأة مرت الطائرات الإسرائيلية فوق رأسه مباشرة، كانت تطير على ارتفاع منخفض للغاية يقارب ارتفاع صوارى السفن، وشعر بعضهم أن الطائرات تستخدم السفن كستار يحجب الرؤية، وفى كل الأحوال لم يكن بأيديهم شيء سوى الإسراع للوصول للبحيرات المرة والرسو هناك أملًا فى أن تكون السفن أكثر أمانًا وهى متوقفة.





كان عدد السفن فى البحيرة هائلًا، وأدركت هيئة القناة أن تواجد كل هذه العدد فى وقتٍ واحدٍ فى البحيرة لا ينذر بخير، خاصة أن مع كل لحظة تتزايد احتمالات انسداد المجري الملاحي نتيجة لغرق سفن وقاطرات وعوائق أخرى، قررت الشركة إخلاء البحيرة وتحريك وخروج السفن من كلا الاتجاهين واستمرار الملاحة طوال الليل، أعطت الأولوية لسفن الركاب ثم ناقلات النفط ثم جاء دور مراكب الشحن التجارية، واستطاعت بالفعل إخراج ما بين أربعين لخمسين سفينة حتى منتصف يوم السادس من يونيو.

على سطح السفينة "ميلامبس" كان البحارة يشعرون بارتياح نسبي باقتراب دورهم عندما جاءتهم أخبار انسداد القناة بشكل كامل، كان هذا محبطًا للغاية، غرق ما يكفى من القاطرات والمراكب والأحواض الخرسانية والكبارى العائمة، والأهم، غرقت السفينتان مكة والإسماعيلية، أو وفقًا لرواية أخرى أغرقتا هما وغيرهما بأمر من عبد الناصر حتى لا تستغل إسرائيل القناة، بعض روايات أطقم السفن تقول أن الملاحة كانت ممكنة فى اتجاه الجنوب وظلت كذلك لعدة أيام تالية ولكن الهيئة لم تسمح بهذا، وجاءت التعليمات بإطفاء أضواء السفن ليلًا.

أسفر هذا عن احتجاز خمس عشرة سفينة شحن تجارية، واحدة لم تصل أبدًا للبحيرة المرة ورست فى بحيرة التمساح وهى السفينة الأمريكية "أوبزرفر"، وأربع عشرة سفينة احتجزت فى البحيرة المرة، أربع منها بريطانية ("بورت إنفركارجيل"، "ميلامبس"، "أجابنور"، "سكوتش ستار") واثتنان ألمانيتان ("مونستيرلاند"، "نوردويند") واثنتان سويديتان ("كيلارا"، "نيبون") واثنتان بولنديتان ("جاكرتا"، "بوليسلوف بيروت") وواحدة فرنسية ("سيند") وواحدة أمريكية ("أفريكان جلين") وواحدة بلغارية ("فاسيل ليفسكى") وواحدة تشيكوسلوفاكية ("لدنيتسا")، وبهذا جمعت الظروف الاستثنائية بحارة من جانبى الستار الحديدي وكلا معسكري الحرب الباردة ومن خارجهما أيضًا!

كانت حمولات السفن متنوعة، "مونستيرلاند" مثلًا كانت تحمل حمولة من الأسلاك الحديدية والأقمشة والبيض واللحوم الأسترالية والفاكهة وأشياء أخرى، "بورت إنفركارجيل" و"سكوتش ستار" كانتا تحملان الفاكهة أيضًا، "أجابنور" كانت تحمل لعب أطفال، "أفريكان جلين" كانت بلا حمولة فقد أفرغت حمولتها العسكرية فى فيتنام، بينما بقت حمولة "فاسيل لفيسكي" البلغارية الذاهبة لفيتنام سرًا لا يُعرف، بعض السفن كذلك كان على متنها ركاب ومسافرون.

كانت هيئة القناة قد سحبت مرشديها وطواقمها بما فيها أطقم قوارب الرسو، وهى قوارب تلحق بالسفن أثناء عبورها القناة لمساعدتها فى الرسو وبعض حالات الطوارئ والملاحة الليلية، ولم تتواصل الهيئة فى اليومين التاليين مع السفن عبر الراديو تقريبًا إلا باصدارها تعليمات بمنع السفن من إنزال أي من قواربها وألا تتواصل مع الشاطئ، بدأت السفن فى التواصل مع بعضها البعض، وبدا أن القوات الإسرائيلية تقترب من الشاطئ الشرقى للقناة الذى بدأ يظهر عليه أعداد من الجنود المصريين المنسحبين.

كان مشهد الجنود المنهكين العاجزين عن عبور البحيرة التى يبلغ عرضها ستة أميال تقريبًا مؤلمًا، خاصة مع محاولات بعضهم اليائسة شبة الانتحارية للسباحة، كان هناك بعض المدنيين كذلك، فى الحادى عشر من يونيو بادرت السفينة "ميلامبس" البريطانية بإنزال ثلاثة من قوارب الرسو وسحبتها حتى قرب الشاطئ الشرقى بعد أن زودتها ببعض المياه والخبز، تبعها فى ذلك ثلاث سفن هى "جاكرتا" البولندية، "نوردويند" الألمانية، و"إنفركارجيل" البريطانية، كان الأمر فعلًا يحتوي على قدر من المخاطرة ويقتضي شجاعة وإنسانية، كانوا قلقين من أن تقصفهم إسرائيل فى أية لحظة، مع اقتراب قوارب "ميلامبس" طلبوا من الجنود أن يتخلوا عن أسلحتهم أولَا، اندفع الجنود نحو المراكب وتزاحموا على ركوبها مما أدى لغرق أحدها، كان البولنديون أكثر إقدامًا؛ نزلوا إلى الشاطئ وكان من ضمنهم طبيب السفينة وقام بعلاج بعض الجرحي، وكان طبيب السفينة "إنفركارجيل" قد طلب أن يذهب مع الطاقم لكن قبطان السفينة رفض لكونه من أصول يهودية. تركت القوارب للجنود وأبلغت هيئة القناة وجاء مركب إرشاد ليلتقطهم.

فى اليوم التالى ظهر المزيد من الجنود يتوجهون إلى الشاطئ ناحية الجنوب، أرسلت السفن القوارب مرة أخرى ولكن الجنود كانوا فى حالة سيئة للغاية من الإرهاق والعطش وسوء التغذية فقرروا أن يسحبوهم مباشرة للشاطئ الغربي، كان قرارًا صائبًا حيث لم يكن من الممكن انتظار أن ترسل الهيئة من يلتقطهم، بل إن أحد الجنود توفى قبل الوصول للشاطئ الآخر، رست القوارب على رصيف تبين لحسن الحظ أنه خاص بقاعدة أو معسكر مصرى، استقبل الجنود أطقم السفن بالشكر والامتنان وعرضوا عليهم المساعدة بأى شئ، ووجهت الحكومة والهيئة الشكر للسفن فى الجرائد المصرية، جعلهم هذا يشعرون بالفخر والسعادة، كانوا يشعرون أيضًا بالدهشة من حجم المساعدة القليلة التى يقدمها المصريون لرجالهم.

كان البحارة مشغولين بقلق ذويهم عليهم، انقطع تواصلهم المباشر معهم من خلال التلغرافات أو غيرها، فيما بعد سيعرفون أن شركات السفن كانت تتواصل معهم باستمرار بما يصلها من أنباء، فى الأيام التالية عادت هيئة القناة للتواصل مع السفن من خلال وكلائها وإطلاعهم على المستجدات، بدأ السماح بإخلاء السفن ممن على متنها، تقرر سفر المسافرين والركاب فورًا وانتظرت أطقم السفن أوامر شركاتهم والتى جاءت متشابهة بتخفيض عدد القائمين على العمل بالسفن وعودة بعضهم، واستقبل العائدون باهتمام إعلامى فى دولهم، وبالنسبة لأوامر هيئة القناة فقد جاءت متشككة ومرتبكة ومربكة، فقد جاءت التعليمات باستمرار بمنع إنزال القوارب ومنع الاتصال بين السفن ثم مُنع التواصل بالراديو مع الهيئة نفسها!! وطلب من السفن رفع علم يحمل إشارة أو حرف (إن) فى حال احتاجوا للمساعدة، فى الصباح جربت إحدى السفن هذا ولم يحدث شئ على الإطلاق، وبالتالى صار التواصل الوحيد المتاح للسفن هو عبر الزيارات اليومية لوكلاء القناة والتى تجلب معها التلغرافات وتصاحبها المؤن والمياه والاحتياجات المختلفة، عمدت السفن لكسر الأمر الخاص بعدم نزول القوارب لأن هذا عمليًا مستحيل.

كانت السفن بمن عليها موضع شك من كلا الجانبين المصرى والإسرائيلي، أية حركة مفاجئة أو غير معروفة السبب تواجه بتوتر كبير، تقريبًا أى اقتراب من الشاطئ الشرقي يعرض صاحبه لاستجوابات تمتد لساعات من الإسرائيليين وربما نقله لتل أبيب، الشرطة المصرية فى أوقات كثيرة وضعت عسكريا على متن كل سفينة وقامت بتشميع غرف اللاسلكي والراديو لبعض السفن، فى إحدى المرات اشتبه أحد وكلاء القناة فى اثنين من البحارة لمجرد ارتدائهما الكاكي؛ فقد ظنهما جنودا إسرائيليين، وأبلغ الجيش الذى احتجزهما واستجوبهما ثم اعتذر!

كل هذا التوتر كان مصحوبًا بهدوء الأوضاع حول البحيرة، فلم يشهدوا أية أعمال أو اشتباكات حربية حتى الرابع عشر من يوليو، كان هذا هو اليوم الأربعين على احتجازهم وحدثت فيه وفى اليوم الذى يليه معارك بالطيران تعتبر من العلامات الهامة فى حرب الاستنزاف، بالنسبة للفرنسيين فى مركب "سيند" فقد زينوا السفينة فى هذا اليوم احتفالاً بعيد الباستيل.

كان التعاون بين السفن يسير بشكل سلس وودود، كانوا يتبادلون المؤن ويتشاركون الوقود والأفلام ويكونون الصداقات ويتشاركون التسلية بالقوارب التى عدلوها لهذا الغرض، فى أغسطس بدأت الشركات المالكة فى استبدال أطقم السفن بآخرين؛ على أن يستمر البحارة الجدد لمدة من ثلاثة إلى ستة أشهر ثم يستبدلون بآخرين وهكذا، كانت مهمة قليلة العمل فى مكان قلِق بأجر أعلى نظرًا لوضع السفن الاستنثائي وكان الأمر مغريًا للكثيرين.

فى أكتوبر وعلى متن "ميلامبس" اجتمعت أطقم السفن الأربع عشرة، وبهدف زيادة روح التعاون والصداقة بين المحتجزين فى البحيرة أعلنوا قيام "اتحاد البحيرة المرة العظمى" وسموا جيم ستاركي قبطان "ميلامبس" رئيسًا له، صمموا للاتحاد شعارًا وعلمًا واختاروا له نشيدًا، كان الشعار خطين يمثلان قناة السويس وهلبا ورقم أربعة عشر وكان العلم مثلث الشكل بنفس التفاصيل، ووضع الشعار على ربطات عنق وتيشيرتات وأشياء أخرى، أما النشيد فكانت أغنية فرقة البيتلز "الغواصة الصفراء" هى الاختيار المناسب للتعبير عن السفن التى غير لونها الرمال، وصارت تعرف بـ"الأسطول الأصفر".

كان قبطان "لدنيتسا" التشيكية منذ فترة قد بدأ فى وضع طوابع يدوية الصنع على أظرف الرسائل ثم قلده الجميع، الآن صارت تحمل الحروف الأولى من اسم الاتحاد، وصنع ختما لكل سفينة يحمل اسمها وشعار الاتحاد تختم به أظرف الرسائل، وكانت الطوابع تصنع فى كل السفن ولكن بالأساس فى السفينة البولندية "بوليسلوف بيروت"، كانت الخطابات تحتاج لطوابع مصرية رسمية؛ إلا أن البريد المصري اعترف بطوابع الأسطول الأصفر، وكثير من الخطابات أرسلت وهى تحملها فقط، وسريعًا أصبحت مطلوبة من الهواة، وكانت ترسم طوابع خاصة لبعض المناسبات، وحتى العادية منها كانت تحمل أشكالاً متنوعة؛ بعضها حمل رسومات للسفن أو البحيرة أو شعار الاتحاد، كثير منها حمل أشكالاً لطيور بحرية محلقة مثل النورس، أحد الأشكال كان رأس نفرتيتي متوفرا بألوان مختلفة وكان بولندى الصنع، أما ذلك الذى رسم عليه إمرأة ترتدي البكيني وكتب عليه "حلم رجال البحر" فيسهل معرفة مصدره؛ إنه الفرنسيون بالطبع.





كانت القيمة الأكبر للاتحاد هى أنه ساعد فى مواجهة أهم عدو: الملل، كانت الأعمال قليلة وتتطلب عدد ساعات محدودا وكان وقت الفراغ الواسع فى هذه العزلة قاتلاً، اكتسبت الأنشطة التى يمارسونها نظامًا وتنوعًا واستمرارية، السبت سباقات الزوارق والمراكب، الأثنين تنس الطاولة على متن "مونسترلاند"، الأربعاء مباريات كرة القدم على "أنفركارجيل" صاحبة أكبر سطح، وكانوا يمارسون الصيد والسباحة فى القناة بالطبع، وكان يوجد بـ"كلارا" السويدية حمام سباحة صغير، كانت "بوليسلوف بيروت" البولندية بمثابة مكتب البريد، فى حين أن البولندية الأخرى "جاكرتا" بمثابة العيادة حيث يوجد بها الطبيب الوحيد، أكبر مكان لعرض الأفلام كان فى "فاسيل ليفسكي" البلغارية وحرصت بعض الشركات المالكة للسفن على أن ترسل أفلاما جديدة كل ثلاثة أشهر تقريبًا، وفي يوم الأحد صباحًا تدق أجراس كنيسة "نوردويند" الألمانية ليجتمع الجميع على متنها من أجل الشعائر والتسلية والصحبة وتناول الطعام والشراب معًا وتبادل الأفلام والطوابع.

كانت إحدى وسائل التسلية أيضًا سرقة القوارب، مثلاً عندما نجح البريطانيون من "سكوتش ستار" فى سرقة أحد قوارب "نوردويند" جن جنون الألمان وقرروا الاستعانة بالأمريكيين من "أفريكان جلين"، ونجحوا فى خطف قبطان "سكوتش ستار" شخصيًا، فرفع البريطانيون لافتة كبيرة موجهة للأمريكيين "عودوا لمنزلكم أيها اليانكيز" فوجه لهم القبطان الأمريكى رسالة "اتركوا هذا (القارب) أو فى المرة القادمة لن يكون فقط قبطانكم بل سفينتكم!!". يحدث كل هذا بينما السفينة الأمريكية "أوبزرفر" وحيدة فى بحيرة التمساح تعاني مللا وانعزالا مضاعفين، وسيطلق عليها الأمريكيون فى سخرية اسم: FBI وهو اختصار Forgotten Boat of Ismailia.

شجرة عيد الميلاد كانت من اقتراح وتصميم أحد البولنديين، ونفذها الأمريكيون والبريطانيون والألمان والسويديون من الأنابيب والأسلاك والألياف لترتفع على متن قارب نجاة صغير حتى أربعة عشر قدمًا قاموا بتزيينها بستين مصباح ملون استمدت كهربائها من "نيبون" السويدية، وعشية عيد الميلاد خرجت قافلتان من القوارب أحدها بقيادة قبطان "أفريكان جلين" والأخرى بقيادة قبطان "أجابنور" والتف الجميع حول الشجرة وغنوا أناشيد الميلاد، وتبادلوا أصناف الطعام المختلفة، وكانوا بانتظار طبق خاص من السيدة مافيز زوجة قبطان "كلارا" السويدية، السيدة الوحيدة بالبحيرة، المشغولة بالعناية بمورتز، قط قبطان "مونستيرلاند" الذى اضطر لتركه عند عودته للوطن، ظلت شجرة عيد الميلاد مضاءة حتى رأس السنة الجديدة.




مضت الأيام بهذه الروح على المتواجدين بالبحيرة، كانت تقلقهم أحيانًا أصوات إطلاق النار والانفجارات البعيدة، وكان يقلقهم دائمًا حال السفن والحمولات، كان عملهم الأساسي هو صيانة السفن وتقليل أضرار الملوحة العالية والحرارة المرتفعة والعواصف الرملية، فى حين كان جفاف الجو فى صالحهم، وكانت السفن تتحرك عبر البحيرة بأقصى سرعة متاحة مرة كل شهر للحفاظ على حيوية محركاتها قدر الإمكان. لم يكن هناك تفاؤل كبير تجاه مصير هذه الحمولات الضخمة خاصة المواد الغذائية، الشركة المالكة لـ"مونسترلاند" الألمانية عرضت على الحكومة المصرية إهدائها شحنة التفاح الموجودة على السفينة، رفض عبد الناصر ذلك بخطاب شخصي منه وصفه قبطان السفينة بأنه كان فظًا، اضطرت السفينة فيما بعد لإلقاء ثمانية مليون تفاحة في القناة.

كانت البيرة والكحوليات الأخرى أحد ميكانيزمات الدفاع الهامة بالنسبة للبحارة لمواجهة الملل والوقت والحر، كانت تصل مع الإمدادات بانتظام، وكانت مصانع البيرة الألمانية ترسلها بكميات كبيرة مجانًا للألمان المحتجزين، البولنديون قاموا بصنع نوع خاص من الخمر يكاد يكون جديد تمامًا قاموا بتقطيره فى أحد المواتير، وكان الاقتراب من السفن البولندية بشكل عام خطرًا، لن يتركوك فى أى وقت من النهار أو الليل خلال فترات العمل أو خارجها قبل أن تشرب البيرة، ذات مرة سقط أحد عمال "أنفركارجيل" وذهبوا به للعرض على الطبيب، رفض البولنديون إدخاله للطبيب قبل أن يشرب!

كان البولنديون كذلك وراء أكثر ما قام به الأسطول الأصفر شهرة على الإطلاق، ففي صيف 1968 كان طاقم جديد للسفينتين البولنديتين على وشك الوصول، كان لديهم رغبة شديدة فى ألا يفوتوا مشاهدة أولمبياد المكسيك فى أكتوبر من نفس العام؛ لدرجة اقتراح خطف السفينتين والمخاطرة بالعودة بهما للوطن، وكان هناك اعتقاد بين أطقم السفن أن الملاحة ممكنة لكنها ستواجه برد فعل عنيف من أحد ضفتي القناة أو كلاهما، وعند الوصول قرر البولنديون تعويض عدم متابعة الأولمبيات بتنظيم واحدة فى نفس التوقيت!

جُهزت المنافسات فى أربعة عشر رياضة هى الإبحار والبولو المائي والتجديف والسباحة والغطس وصيد الأسماك والجري والرماية ببندقية الهواء المضغوط ورمى الأسهم والقفز العالي ورفع الأثقال وتنس الطاولة وكرة القدم بالإضافة لمسابقة ثلاثية تتضمن الرماية والجرى والسباحة معًا، وجهزت ميداليات يدوية الصنع ومنصات تتويج، وتمت المنافسات على متن "جاكرتا" عدا كرة القدم فكانت على "إنفركارجيل" وتنس الطاولة على "مونسترلاند"، فى الترتيب العام للميداليات فازت بولندا وألمانيا والسويد بالمراكز الثلاث الأولى على الترتيب، وذهبت الميدالية الذهبية لكرة القدم للإنجليز الذين استضافوا المنافسات على أحد سفنهم، بالضبط كما حدث قبلها بعامين فى كأس العالم، ثم جاء بعد إنجلترا بولندا والسويد، وأدعى الألمان أن سبب غيابهم عن المراكز الثلاث الأولى هو كثرة الإصابات.

مع نهايات 1968 بدأ التوصل لتسويات حول التأمين على السفن وحمولاتها، انتهى كثير منها بانتقال ملكيتها لشركات التأمين مقابل مبلغ التأمين، بعض السفن بيعت مباشرة أو من خلال شركات التأمين لملاك جدد، فى حين مثلاً ظلت "مونسترلاند" مع ملاكها الأصليين، ومع الوقت على مدى السنين التالية اتفق ملاك السفن المحتجزة على جمعها فى مجموعات لتقليل عدد الأفراد اللازمين لتشغيلها وصيانتها، وسميت كل مجموعة بتجميع الحروف الأولي من السفن الموجودة بها، وكانت بالأساس ثلاث مجموعات، واحدة تضم السفن الألمانية والسويدية والفرنسية، والثانية تضم البريطانيتين "ميلامبس" و"أجابنور" مع التشيكية "ليدنيتسا" وعهد بها للطاقم التشيكي، والثالثة تضم البريطانيتين "سكوتش ستار" و"أنفركارجيل" مع السفن البولندية، فى حين ظلت كلا من "أفريكان جلين" الأمريكية و"فاسيل ليفسكي" البلغارية بمفردهما، وبهذه الطريقة انخفض عدد البحارة فى البحيرة من أكثر من ثلاثمائة مع بداية الاحتجاز إلى خمسين فقط فى عام 1970، وفى عام 1972 انفصلت السفينتان الألمانيتان عن مجموعتهما وغادر آخر طواقمها وعهدت صيانتها لشركة صيانة نرويجية

على جانب آخر، كانت حرب الاستنزاف تشتد ما بين العامين 1968- 1970ومنعت السلطات فى مصر الصحفيين والإعلام من الوصول للسفن كما كان الحال من قبل، ثم استقرت الأمور مع قبول الطرفين مبادرة روجرز، ولم تكن السفن أثناء حرب الاستنزاف بعيدة عن التوتر، بعض القذائف العشوائية كانت تمثل خطرًا حقيقيًا، وفى صباح أحد الأيام وُجدت جثث لجنود مصريين طافية فوق سطح الماء كنتيجة فيما يبدو لعملية ليلية فاشلة، وظلت الجثث عدة أيام قبل استرجاعها.

ورغم تأثير انخفاض العدد عليها إلا أن نشاطات أعضاء "اتحاد البحيرة المرة" استمرت، ممارسة الرياضة ومشاهدة الأفلام وكنيسة "نوردويند" وطقوس الميلاد وغيرها، بالإضافة للملل وشرب البيرة بالطبع، ختمت الرسائل بأختام جديدة تحمل اسم المجموعة والسفن التى بها، واستمر صنع الطوابع العادية منها والتذكارية، فى عام 1969 صنع طابع بمناسبة هبوط أول إنسان على القمر.

ذات مرة فى أول أيام الاحتجاز فى عام 1967 قال أحد ضباط السفينة "أفريكان جلين" الأمريكية عن رحلتهم: "مع حظ كهذا ربما يستقبلنا شغب عندما نصل لنيويورك"، كان محقًا فيما يخص الحظ السيئ؛ ولكن لم يكن كذلك فيما يخص الوصول إلى نيويورك، ففي أكتوبر 1973 ومع قيام الحرب كانت القناة مسرحًا لعمليات واسعة، وامتلأت البحيرة بالطلقات العشوائية والشظايا، إلا أن سفينة واحدة تضررت وبشكل كامل: "أفريكان جلين"، حيث أصابها صاروخ إسرائيلي فغرقت، فى حين كانت مشكلة طواقم السفن الأخرى- بجانب القلق- هى فى أن الحرب قد تؤخر عودتهم لأوطانهم لما بعد أعياد الميلاد.

بعد حرب أكتوبر مباشرة، بدأت مصر فى التجهيز لفتح القناة، واحتاجت عمليات التطهير لأشهر طويلة خاصةً أن حربي الاستنزاف وأكتوبر قد زادتا من العوائق الغارقة بالإضافة لمخلفات الحرب من قذائف وألغام وغيرها، وتطلب الأمر مساعدة أمريكية وبريطانية وفرنسية وانتهت عمليات التطهير فى ربيع عام 1975.

فى هذه الفترة أرسل ملاك السفن الألمانية مهندسيهم لتقييم حالة السفن وجاءت التقارير فوق مستوى توقعاتهم حتى بالنسبة لبعض الشحنات، وبدأت عمليات التجهيز وزيدت أعداد الطواقم، وفى يوم 7 مايو وقبل إعادة الافتتاح الرسمية للقناة بدأ إخلاء البحيرة بمغادرة "مونستيرلاند" و"نوردويند" معتمدتين على محركاتهم فيما احتاجت باقي السفن للقطر والسحب، لأن بعض الأمور لا تتغير ويظل الألمان هم الألمان!

وفى 24 مايو كان ميناء هامبورج يحتشد بثلاثين ألف من الحضور فى أجواء احتفالية لاستقبال "مونستيرلاند" التى خرجت من نفس الميناء قبل ثمانى سنوات وثلاثة أشهر وخمسة أيام مسجلة أطول رحلة فى تاريخ الإبحار المعروف، فى حين ذهبت باقى السفن إلى مصائر مختلفة سواء يإعادة التأهيل أو البيع كخردة، وكان آخر من غادر البحيرة هى السفينة التى تحدد مصيرها مبكرًا، ففى عام 1977 تم انتشال السفينة سيئة الحظ إلى درجة اللعنة، "أفريكان جلين".





***
* للإطلاع على المصادر وبعض طوابع الأسطول الأصفر، فضلاً قم بزيارة الموقع في الرابط الموجود أعلى المقال