حر حاف صيفاً



الدقات الثقيلة على باب المكتب، أزعجت الموظف الكبير الذي كان يحاول النوم متوسداً ذراعه، فصاح متأففاً: ادخل .. الصوت الناهج من شدة الحر والقادم عبر انفراجة الباب كان لسيدة كبيرة على المعاش تسأل عن شيك مكافأة نهاية خدمتها، نظر إليها الموظف الكبير من تحت نظارته وأجابها في فتور: في الحسابات يا حاجة مش هنا .. بس هما في الحسابات قالوا لي هنا .. كنت أستند على الحائط المجاور للباب، فلم تسنح لي فرصة رؤية السيدة إلا بعد أن قمت لها لتجلس: اتفضلي ارتاحي يا حاجة .. وبينما أنا ألتفت وأعطي ظهري للباب كان الموظف الكبير ينظر إلي في ضيق مخلوط بالحنق بسبب الصهد القادم من الباب المفتوح الذي أفسد حرارة الغرفة المكيفة، وضوء الشمس الذي طرد بقايا النوم من عينه، ولكن سرعان ما ارتسمت على وجهه ابتسامة بليدة مفاجئة لم أفهم سرها إلا بعدما استدرت .. للحظة، وجفت .. احرجت .. ارتبكت .. تضايقت .. كانت ابنة السيدة تقف خارج المكتب، شابة عشرينية جميلة ترتدي جيبة مخططة ضيقة وخفيفة جداً، ضوء الشمس مع عتمة المكتب صنعا تباينا مثالياً لم يكن بحاجة إلى بحر العرق الناشع على جسدها ليفسره بكل هذا القدر من التفصيل.


في أقل من عشر ثواني، تجمهر أربعة موظفين (بيتفرجوا طبعاً) خلف البنت التي كانت تتكلم بعصبية عن: الدوخة اللي أمها دايخاها بقالها شهرين علشان تصرف الشيك .. بينما أمها كانت تبحث داخل حقيبة بلاستيكية عن ورق وتأشيرات وكيس مناديل .. طب اتفضلي استريحي يا آنسة .. قالت لي بعصبية وبصوت عالي: مش هاقعد إلا أما أعرف أنتوا بتعملوا معانا كده ليه؟؟ ست كبيرة زي دي خدمت أربعين سنة، تجيبوها من آخر الدنيا وفي عز النار علشان تذلوها كل يوم؟؟ ما فيش أي مراعاة لزمالة ولا لحالتها الصحية؟؟ .. سيبها براحتها يا أستاذ شريف .. نظرت للموظف الكبير في إشمئزاز ثم أشحت بوجهي عنه، اصطدمت عيني بالبنت التي كان صوتها قد اختنق نتيجة انفعالها الذي يبدو أنها غير معتادة عليه ثم دمعت عينيها وبدأت في البكاء .. خرجت من المكتب، وصحت في الواقفين: ياللا كده يا اخوانا كل واحد يشوف أكل عيشه واللي وراه مصلحة يقضيها علشان الدنيا حر والواحد مش طايق نفسه!! ثم رفعت صوتي أكثر (قلت يمكن تفهم): ما تصورها بالموبايل أحسن؟؟ .. عامل: ما بالراحة يا عم هو حد كلمك؟؟ .. دخلت المكتب وأضأت النور: يا بنتي بعد إذنك اتفضلي اقعدي .. لأ مش هاقعد!! .. لأ لأ اطفي النور علشان الدبان!! .. أغلقت النور دون أن أنظر للموظف الكبير، ثم قلت لها: طب ادخلي واقفلي الباب علشان التكييف!! ..مش هاقعد غير لما نستلم الشيك!!


دخلت المكتب المجاور باحثاً عن زميلة تتحدث معها، وجدت زميلة تتحدث في المحمول، فانصرفت عنها وتوجهت للأخرى التي كانت تعمل: بعد إذن حضرتك يا أستاذة عاوزك دقيقة .. طب ثانية واحدة بس أكتب السطر ده .. خرجت من المكتب فتلقفني أحدهم: إيه يا عم الصاروخ ده؟؟ مكنة بنت الكلب!! دي كأنها مش لابسة حاجة!! سمعته الزميلة التي تتحدث في المحمول، فخرجت لتشاهد المكنة هي كمان بحجة عدم وجود شبكة في المكتب، قلت في سري لعلها تحدثها بعد أن تراها .. بعد أن نظرت للبنت وعاينتها معاينة تامة نافية للجهالة، مصمصت شفتيها ونظرت للرجل بجواري بجانب عينها ثم عادت إلى مكتبها: أيوه معاكي، لا كنت بابص على حاجة .. تركت الرجل وعدت للمكتب فوجدت أن البنت قد استندت بظهرها على الباب، واكتشفت أن ذلك كان رغماً عنها حتى تسمح بمرور الموظفين الثلاثة الذين دخلوا المكتب .. جلست على المكتب الوحيد الشاغر جانب الباب، حيث كانت البنت وأمها عن يساري .. قال أحدهم: لأ اقفي زي ما كنتي واقفة يا آنسة علشان كده الشمس ضاربة في عيني ومش شايف الورق بتاع والدتك!!


والله العظيم الشيك ده هادفعه بقية مقدم شقة خدتها لابني، الراجل صاحب الشقة كاتب شرط جزائي عشرين ألف جنيه لو فسخت العقد، وكل يوم يتصل بيا خمسين مرة عاوز فلوسه، وأنا أقول له بكرة إن شاء الله هاصرف الشيك!! ما عنديش غير ولد وحيد ع البت دي، واحد وتلاتين سنة معاه ليسانس آداب إنجليزي وقاعد بقاله خمس سنين في البيت من غير شغل لما نفسيته اتدمرت واتعدم العافية، آخر ما زهق راح من ورايا اشتغل فواعلي يا كبد أمه وهو جسمه قليل، ما فيش أسبوع ورقد في البيت يشتكي من الغضروف!! قلت له في ستين داهية الشغل اللي هيجيب أجلك ده!! قلت فلوس الصندوق (صندوق الزمالة) على فلوس المكافأة أدفعهم له مقدم في شقة علشان أفرحه، يمكن ربنا يكرمه بشغلانة كويسة يقدر يسدد منها الأقساط، والله يا ابني ما أنا عارفة هاسدد الأقساط إزاي لو ما أشتغلش؟؟ قول لي الألف جنيه اللي باخدهم معاش نعيش بيهم إزاي؟؟ أنا أمي ست كبيرة نايمة ع الأرض ما بتقومش وأنا اللي باخدمها رغم حالتي الصحية اللي ربنا وحده يعلمها، وأختي ربنا يكرمها هي اللي بتشتري لها العلاج علشان هي اللي لسه بتشتغل، البت دي والله العظيم ما جبتلها قشاية في جهازها لحد دلوقت ومش عارفة هاجوزها إزاي؟؟ وكل ما يتقدم لها عريس ترفضه، تقول لي يا ماما هاتخطب إزاي وأنا ما عنديش غير طقم واحد بالبسه!! (تلتفت للبنت) آهه اللي لابساه ده!! ما لبستش غيره من أربع سنين!! لحد ما داب واتهرى ونسل وما بقاش يسترها!! أنتي بتعيطي على إيه؟؟ ما قلت لك اترزعي في البيت مع ستك بدل ما تنزلي معايا في الشمس وراسك تتقور وبرضه مش هنقضي مصلحة!! أنا عارفة الموظفين هنا ولاد كلب يعطلوا المراكب السايرة ويحدفوكي على بعض!! مش فالحين غير في البصبصة!! شالله تتخزق عينيهم!! (تنهض من كرسيها وتلملم أوراقها) يا بنتي أنا عشت عمري كله في الهم ده وعارفاه!! (تستند على ذراع ابنتها) مش كنتي قعدتي في البيت كنا وفرنا تمن المواصلات؟؟ .. (تلتفت إلينا فجأة كمن تذكرتنا) سلامو عليكوا يا جماعة، معلش عطلتكم ووجعت راسكم أنا عارفة، بس أنتوا ولادي!! بكرة إن شاء الله أروح للمراقب المالي أخليه يأشر ع الورقة دي .. كانت رؤوسنا منكسة، تعكسها الشمس ظلالاً باهتة على أرضية المكتب المفتوح، حاولت أن أبلع ريقي مع الدمع الحبيس فلم أستطع، قال أحدهم: يا أخي الواحد مش عارف يبلع ريقه!! .. أجابه آخر: مش بيقول لك حر حاف صيفاً!! .. لفحنا صوتها في الخارج: خلاص بقى ما تزعليش أول ما أصرف الشيك هاجيب لك الطقم اللي شفناه .. رفعت رأسي والتفت لأنظر إليهما فلم أجدهما أو أجدني، إلى أن فاجئتني زميلة: أستاذ شريف حضرتك كنت عاوزني في حاجة من شوية؟