شجرة و كوفية


- أنتي حبيتي قبل كده يا تيته ؟؟

- :)

- أنا أقصد حبيتي حد قبل جدو الله يرحمه ؟؟

- حبيت كتير قوي !! أنا أصلاً ما أعرفش أعيش من غير ما أحب .. الحب ده هو اللي بيدينا القوة والأمل علشان نعيش .. وعلى فكرة !! معظم اللي حبيتهم ما يعرفوش أني حبيتهم .. فيه منهم أصلاً ما يعرفونيش ولا عمرهم خدوا بالهم مني !!

- إزاي ؟؟

- عندك مثلاً الشجرة الكبيرة اللي عند الملف اللي ع الكورنيش ؛ كانت وحيدة وبتستنى كل يوم أن حد يطبطب عليها لكن ما فيش حد كان بيعبرها ولا بياخد باله منها !! .. فبقيت كل يوم أروح أطبطب عليها وأقعد جنبها وأونسها .. لحد ما في مرة قالت لي أنها حاسة بالوحدة من ساعة ما شقوا الشارع الرئيسي اللي ع الكورنيش وفرقوا ما بينها وبين أخواتها اللي ع الصف التاني !! .. أخواتها اللي معظمهم وقع واتكسر مع الزمن ؛ وسابوها واقفة لوحدها !! .. بس بعد فترة لقيت حالة الشجرة اتحسنت قوي ورجعت تورق وتخضر من تاني والعصافير رجعت تعشش عليها زي زمان .. أصل كانت فيه شجرة كبيرة جوه الفيلا اللي قصادها ع الرصيف التاني بتشاغلها من كام سنة كده وكل يوم كانت تبعت لها سلامات مع الحمام والعصافير ؛ ويظهر كده يعني أن كان فيه استلطاف ما بينهم .. وفي مرة اعترفت لي أنها بتحب الشجرة دي قوي ونفسها أن فروعها تكبر وأغصانها تطول علشان تلمسها وتطبطب عليها .. وفعلاً فروع شجرة الفيللا كانت خلاص خرجت بره سور الفيللا وعدت الشارع وفاضل لها يا دوب حاجة بسيطة قوي وتلمسها !! يعني كان فاضل لهم كام ربيع كده ويتجوزوا .. بس في مرة لقيت يافطة مكتوب عليها أنهم جابوا للفيللا قرار هدم وعارضينها للبيع !! .. طبعاً أنا ما قلتش للشجرة أحسن كانت تموت فيها !! .. وفي يوم ؛ بعد ما شفت يافطة بيع الفيللا ؛ خدت معايا جنايني وروحنا الفيللا بالليل ؛ قصينا فرع من شجرة الفيللا وزرعناه تحت الشجرة الكبيرة وهي نايمة !! .. أول كام أسبوع  ؛ عملت نفسها مش شايفاه ولا واخدة بالها منه !! ما كانتش شايفة في الكون ده كله غير شجرة الفيللا !! .. بعد تلات شهور ؛ بدأت تحس بجذور الفرع الصغير وهي بترفس تحت التربة وبتحاول تزق جذورها علشان تشرب معاها المية اللي بتوصل لها !! لكن برضه ما أهتمتش !! .. حتى لما كنت باقعد تحتها ألاعب في الفرع الصغير وأطبطب عليه كانت بتعمل نفسها مش واخدة بالها مننا !!

اليوم اللي بدأوا يهدوا فيه الفيللا .. كان ورقها كله متنكس لتحت وكتير منه كان عمال يقع !! كانت أول مرة في حياتي أعرف أن الشجر بيعيط زيينا !! .. ما كنتش عارفة أتصرف إزاي ؟؟ .. كنت خايفة عليها أحسن تفضل تعيط لحد ما تجف وتقع !! .. كانت كل ما تبص لي أدور وشي عنها ؛ فعيني تيجي غصب عني على الفيللا اللي بتتهد ؛ فالتفت ناحيتها تاني وأنا مكسوفة قوي منها ومش عارفة أعمل إيه ؟؟ .. شاورت لها على اليافطة الكبيرة المكتوبة قدام الفيللا ؛ اللي هي كانت رخصة البـُنا بتاعة العمارة الجديدة وفهمتها أن شجرة الفيللا هي اللي كتبت لها اليافطة دي وبتقول لها فيها : "أنا بحبك قوي ؛ ما تقلقيش لو صحيتي في يوم وما لقيتنيش؛ لأني ساعتها هاكون جنبك" .. ورغم أني عارفة أن الشجر ما بيعرفش يقرا ؛ بس أنا متأكدة أنه بيحس !! لأني حسيت من نظرتها ليا ساعتها أنها عارفة أني باكدب عليها !!

للحظة ؛ حسيت في عينيها بنظرة إتهام قتلتني !! .. زي ما تكون بتصرخ وبتقول بأعلى صوت : احنا عملنا لكوا إيه علشان تقتلونا ؟؟ أنتوا مجانين ؟؟ أنتوا مش عارفين أنكوا كده بتقتلوا نفسكوا معانا ؟؟ .. قعدت فترة مش قادرة أتكلم بجد !! .. كان كل تفكيري ساعتها إزاي ما أخليهاش تشوف اللحظة اللي بيقطعوا فيها الشجرة اللي بتحبها قدامها !! .. كان نفسي أخدها ونروح مكان بعيد قوي !! وحسيت ساعتها قد إيه الشجر مسكين وبائس علشان ثابت في مكانه وما بيتحركش !! .. فجأة ؛ حسيت بالشجرة زي ما تكون بتغمز لي بعينها وبتشاور لي على الفرع الصغير وبتقول لي : بصي !! .. مسحت بإيدي الدموع اللي كانت مغرقة وشي وبصيت على الفرع الصغير لقيت شكله حلو قوي وهو مكسي بورق الشجرة الكبيرة اللي وقع عليه !! زي ما يكون طفل صغير لابس قميص باباه وماشي يتكعبل فيه ومش عارف يقلعه !! كان كل ما يحاول ينفض ورقها من عليه ؛ تروح موقعة عليه شوية ورق تانيين !! ولما قلت لها كده مش غلط عليكي ؟؟ قالت لي وهي بتحاول تبتسم : كده كده احنا في الخريف !! .. ما أعرفش هل كانت بتقول الحقيقة ولا كانت بتحاول تلهيني علشان ما أشوفهاش وهي بتعيط على شجرة الفيللا اللي كانت اتقطعت بالفعل من غير ما آخد بالي ؟؟

في الوقت ده ؛ كنت اتجوزت جدك الله يرحمه وخلفت منه أمك وخالك .. كنت باخدهم كل يوم بعد العصر ونقعد نلعب تحت الشجرة الكبيرة .. جدك "علي" أصله كان سواق قطر بضاعة ؛ فكان على طول بره البيت !! .. كنت باحب أقعد أتكلم مع الشجرة وأنا باشتغل تريكو !! .. هي تقعد تشكي لي من شقاوة الفرع الصغير اللي على طول بيميل بجذعه لبره وبيناكف في العصافير !! وأنا أقعد أشكي لها من العيال وشقاوتهم !! .. في مرة قالت لي : كل يوم الفرع بيتعلق بيا أكتر باخاف أحسن يضيع مني زي اللي قبله وأنا بدأت أحبه وأتعلق بيه من جوايا وكل يوم باحبه أكتر من اليوم اللي قبله !! .. رحت جايبة حبل طويل وربطتهم ببعض جامد قوي !! .. في الأول ؛ الفرع الصغير اتضايق قوي من الحبل وكرهني بسببه !! .. بس هي قالت لي أنه بعد كده لما كان بييجي الخريف والشتا كان بيبقى فرحان قوي ومتطمن علشان حاسس أن فيه حد بيحضنه وبيدفيه وبيسنده !! .. يااااااه يا بنتي الكلام ده كان من خمسين سنة وأكتر !! .. النهاردة لو رحتي شفتي الشجرة دي مش هتعرفي تفرقي بين الأصل والفرع !! الاتنين بقوا شجرة واحدة كبيرة جميلة .

- الله .. قصة حلوة قوي يا تيته !! .. إيه ده أنتي بتعيطي ؟؟

- لأ ؛ دول شوية تراب دخلوا في عيني بسبب الشباك اللي نسيتيه مفتوح !! يظهر أن الخريف خلص ودخلنا ع الشتا !!

- حقك عليا ؛ أنا هاقفل الشباك ؛ بس معلش مضطرة أمشي دلوقتي علشان عندي مشوار مهم !!

- تخرج حفيدتها من الغرفة ؛ فتمد الجدة يدها أسفل المخدة وتلتقط صورة قديمة بالأبيض والأسود لشاب يضحك بجوار شجرة كبيرة في مدخل فيللا عتيقة ويبدو كمن يحاول جذب كوفية من التريكو من يد فتاة لا نرى سوى جزء من ذراعها والسوار الذي ترتديه في معصمها .. تقلب الصورة على ظهرها فتظهر جملة "أنا بحبك قوي ؛ ما تقلقيش لو صحيتي في يوم وما لقيتنيش؛ لأني ساعتها هاكون جنبك. حسين" . تعيد الجدة الصورة مكانها أسفل المخدة بجوار السوار الذهبي ؛ ثم تعيد لف الكوفية الحمراء حول رقبتها ؛ فتشعر بدفء مفاجيء يجعلها تبتسم وهي تراقب قطرات المطر على الشباك .