The One Pound



مفتتح

وكأني منذور للقلق ، معوذ ضد السكون !! .. مغادر أينما وصلت ؛ مبدد إذا ما وجدت .. يرنو إليّ السائل لقضاء مسألته ؛ وأنا ؟ لست موجوداً إلا حيثما يفتقدني ، فإن ملكني ملكته دون أن يراني ؛ ولا ينتبه إلى ما فقده ليجدني.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كنت نائماً عندما أيقظتني أصابع صاحبي بائع الجرائد .. كانت رائحة النيكوتين المنبعثة منها تنتشر في أرجاء جيب الجلباب كغيمة داكنة تجثو فوق أنفاسنا نحن العملات المعدنية .. خشيت على الصغار من فئتي الربع والنصف جنيه من أثر الرائحة فخبأتهم خلفي .. بعد أن التقطتنا أصابع صاحبي ، وضعتنا في راحة اليد الأخرى الخشنة الممدة ؛ شعرنا حينها بنسمات الفجر المنعشة فشرعنا نتنفس بعمق .. قام صاحبنا بفركنا واحداً تلو الأخر بين إصبعيه السبابة والإبهام ، حتى أستقر على أربعة جنيهات منا وناولهم للغريب .

ما أن استقرينا أنا وزملائي داخل الجيب الضيق لبنطال الغريب ؛ حتى استقبلتنا الورقة المطوية داخله بالترحاب .. قالت وهي تحاول أن تتفتح قليلاً لترينا الكلام المكتوب فوقها : أليس شعراً جميلاً ؟ .. أجابها زميلي دون أن ينظر إليها : نعم .. قالت : لقد أمضى صاحبنا الليل بأكمله لينظم هذين البيتين لمحبوبته !! .. قال الثاني بنبرة سخرية وهو يحاول أن يجد ركناً مناسباً لينام فيه : أتمنى أن تكون محبوبته جميلة لتستحق هذه العناء !! .. غضبت الورقة وقالت في حنق : الجمال هو مرادف الجنس لدى الرجال !! أليس كذلك ؟؟ .. قال الثالث في تحدِ : أنتي بالطبع تقولين ذلك لأنك مجرد ورقة قديمة لا قيمة لها !! .. انكمشت الورقة على نفسها وانزوت في ركن الجيب تبكي في صمت .. اقتربت منها بحذر حتى لامست وجهها الناعم فشعرت بي وأشاحت بسطورها عني ، فقمت بالتدحرج حتى لامست طرفها المطوي وأخذت أربت عليه حتى هدأت ، ثم أخذت نفساً عميقاً وقالت في حزن : ما يقلقني حقاً أنني قد أتمزق وأموت إذا لم تأتي محبوبته !! قد أصبح فُتاتاً صغيراً تذروه الرياح !! .. نظرت إليّ الحروف المكتوبة فوق الورقة من بين ثناياها نظرة مغزاها بأن تصرّف !! .. قلت لها وأنا أحاول أن أتبين ما خطه صاحبنا فوقها : هل قيل لك شعراً من قبل ؟؟ .. ابتسمت الورقة وقالت : نحن يقرأ منا لا يقرأ لنا !! .. تنهدت ثم قلت لها بعد أن تفكرت في كلماتها : ونحن أيضاً وسيلة للتعامل ولا يعاملنا أحد !! .. قالت الورقة في حنو بالغ : على الأقل أنت أوفر حظاً من أولئك القابعون داخل خزائن حديدية ؛ فأنت تحيا في اليوم أكثر من حياة .. أجبتها بسخرية : نعم ، أحيا بوجهين متضادين لا يرى أحدهما الآخر !! أنا حتى لا أملك أن أغير مصيري إذا ما قُدر لي أن أُنفق في الشر !! .. قالت : وما يدريك ؟؟ لعلك تُنفق في شر يراد به خير أو العكس ؟؟  ما أنت إلا مرآة للنفوس يا صديقي !! .. ثم ابتسمت وقالت : ألن تقرأ لي شعراً ؟؟

حينئذ ، التقطتني أصابع صاحبي الغريب لتناولني ليد بائع الورود ، الذي لم أمكث طويلاً في يده حتى التقطتني يد ابنه الصبي الصغير ، التي أمسكتني جيداً .. كنت أفكر طوال الطريق في الحوار الذي دار بيني وبين الورقة ، كانت الأسئلة تنبت أسئلة حتى صارت مثل شجرة عملاقة تخترق السحاب تنتظر أمطاراً من إجابات ترويها !!

ما أن أسقطني الصبي من الفتحة الضيقة للحصالة المعدنية ؛ حتى وجدت جميع العملات تتهلل فرحاً وتسعى لمقابلتي بالأحضان والابتسامات !! .. دهشت أول الأمر وسعيت لتفسير السبب في وجوه من حولي ؛ وفجأة أحاطتني ورقة فئة المائتين جنيه (الجدة كما نسميها) وأخذت تقبلني في سعادة وهي تقول : بك أكتملنا !! .. قلت لها متعجباً : أنا ؟؟ .. قالت الجدة وهي لا زالت تبتسم : نعم  نعم !! .. قلت لها : لا بد أن في الأمر خطأ ما ، أنا مجرد جنيه وأشرت إلى الترجمة الإنجليزية المكتوبة على صدري وأنا أقول في ضيق : One Pound !! .. قالت الجدة وهي تحتضنني : بل تقصد The one pound !! .. ثم أردفت قائلة : لقد كان الصبي يدخر لمدة عام ونصف حتى يستطيع شراء دراجة يذهب بها إلى المدرسة في الصباح ويحمل عليها الورود من المشتل البعيد لوالده العجوز في المساء وكان ينقصه جنيهاً واحداً على تحقيق حلمه وكنت أنت ذلك الجنيه .

حينئذ ، كانت شجرة الأسئلة قد بدأت تصغر وتصغر وتصغر حتى تلاشت تماماً ورُمست في الأرض ، ونبتت مكانها وروداً جميلة في مشتل بعيد يسعى إليها صبي سعيد بدراجته الجديدة .انتهت#
 ________________________________

الفكرة للزميلة الفاضلة / جيلان حمزة  ..  فضلاً شاهد الوجه الآخر من العملة هنــا