الحاج ماهر





كنا ساعتها في تانية جامعة .. لما واحد صاحبي كلمني وقال لي أنه عاوز يتقدم لواحدة زميلته معجب بيها في سنة أولى معاه في نفس الكلية وعاوزني أروح معاه نقابل باباها .. أنا ساعتها بصراحة اتكسفت .. وحاولت أهرب منه منعاً للإحراج ، لكنه صمم .. قلت له بس احنا لازم ناخد معانا حد كبير ، يعرف يتكلم مع أهلها .. وبعد تفكير عميق ، ما لقيناش أحسن من عم ماهر القهوجي .. آهو الراجل عارفنا ومربينا معاه ع القهوة .. وفعلاً ، روحنا لعم ماهر وكلمناه وقعدنا نفخم ونعظم فيه ونتحايل عليه لحد ما وافق أنه يروح معانا المشوار ده بتلاتين جنيه بس !!

عم ماهر ده بقى كان راجل مسخرة السنين .. كنا مسميينه ماهر ألووووو .. لأنه كان على طول يرمي بلاه على الخلق علشان أي مصلحة وهو بيقول : ألووووو .. يعني يشوف حد فينا مولع سيجارة يروح جاي واقف جنبه ويقول له : ألووووو ، فبكل أدب واحترام يروح اللي مولع سيجارة يدي له واحدة .. اتقاءً لشر غلاسته .. فياخدها منه عم ماهر ويقول له وكأنه بيغيظه : ربنا يعوض عليك !! .. لو شاف بتاع تين شوكي واقف قدام القهوة يسيبه واقف ما يكلموش ، بس كل شوية تلاقي بقه بيلعب من أكل التين ويقول للبياع : ربنا يعوض عليك !! وبعد شوية تلاقيه جه وقف جنبنا وقال : ألوووووو ، مش ناويين تنفّعوا الراجل ده ولا إيه ؟؟ .. فتلاقي اللي على القهوة كلهم قاموا اشتروا تين !! .. صاحب القهوة شخصياً ما كانش بيقدر عليه .. أو زي ما تقول كده ، كان عارف إن ماهر هو اللي مشغل له القهوة فكان بيسيبه .. ورغم غلاسته إلا أنه كان أطيب من الطيابة وغلب الدنيا فيه .. كان من المنيا وكان عنده ورشة كبيرة بتاعة لف مواتير وتحت إيده صنايعية كتير ، وكان باني بيت ومتجوز ومعاه ولدين وبنت كبار ، تقريباً كانوا من سننا .. ولما الحال ضاق بيه ، نزل اشتغل قهوجي في القاهرة .. بس زي ما تقول ما نسيش أنه كان معلم وأسطى فكان بيتعامل بتناكة مع الخلق بما فيهم صاحب القهوة .. ورغم كده يا أخي كنا زي القط اللي بيموت في خنّاقة ولو جينا يوم وما لقيناهوش واقف في الأرضية كنا بنمشي وبنروح نقعد على قهوة تانية .. كان مثلاً لو شافك قاعد لوحدك متضايق ييجي يقول لك : ما تفكرش كتير ، سيبها على الله ، قوم كُل كبدة من عند فوزي وهاتلي معاك سندوتش وتعالى نحبس بكوبايتين شاي ، وما تنساش الطحينة !! .. وتلاقي نفسك ما تعرفش إزاي قمت جبت الأكل وكلت وشربت الشاي وضحكت وروحت ميت فل وأربعتاشر .. كان راجل عجيب .


اتقابلنا احنا التلاتة يومها .. وروحنا بيت العروسة .. وبصراحة عم ماهر ما خيبش ظننا واتكلم كلام زي الفل مع باباها وعمها بصفته خالي .. لحد ما جه وسط الكلام وراح قايل : دول أنضف زباين بيقعدوا عندي على القهوة !! .. طبعاً أنا وصاحبي اتبلينا وغرقنا في عرقنا ساعتها !! .. بس عم ماهر راح معالج الموقف بصياعة وراح مشاور على الشيشة اللي كانت في ركن الأوضة وقال لأبو العروسة : ألووووو ، هو الفحام مات ولا إيه ؟؟ ما توصي لنا على حتتين نار نشرب بيهم حجرين يا حاج وربنا يعوض عليك ، ولا الشيشة دي منظر ؟؟ .. فأبو العروسة قال له وهو محرج : لأ شغالة ، بس أنا ما باشربش في البيت ، أنا باطلعها بالليل تحت الشباك (لأن شقتهم كانت دور أرضي) أنا والحاج فلان ونجيب الطاولة ونقعد نلعب .. راح عم ماهر قايل له : طب ما هو احنا بالليل أهه ، وراح مطلع من جيبه باكو معسل وحتة حشيش !! .. اللي أنا فاكره بعد كده إن واحنا ماشيين (قبل الفجر بشويه) من تحت الشباك بتاع شقة العروسة ، كان فيه حوالي بتاع عشرين بني آدم قاعدين بيحششوا وبيضحكوا !! .. وكانت الستات جوه الشقة بيبعتولنا أكل وفاكهة وحلويات ومشاريب كل شويه ، وكانت ليلة !! .. وهو الأمر اللي خللى عم ماهر يستغل الموقف وياخد مننا عشرين جنية زيادة فوق التلاتين جنية واحنا مروحين !!

تاني يوم في الكلية ، لما صاحبي قابل زميلته ، قالت له : إن أبوها وعمها وافقوا على الموضوع ، من قبل حتى ما يسألوا على صاحبي وإنهم حددوا يوم الخميس علشان صاحبي يجيب والده ويتكلموا في التفاصيل .


الكلام أخدنا عن عم ماهر ونسيت أقول لك عزيزي القاريء إن والد صاحبي ده راجل ملتزم جداً ومهيب وكان دايماً هو اللي بيؤم الناس في صلاة العشا وصلاة الفجر !! .. فلك أن تتخيل بقى منظرنا أنا وصاحبي لما روحنا بيت العروسة تاني مرة !! بس طبعاً من غير عم ماهر !!

من أول دقيقتين وعمها (اللي كان قاعد جنبي ساعتها) بيوشوشنا : هو فين الحاج ماهر ؟؟ ما جاش ليه معاكوا ؟؟ وأنا وصاحبي عاملين نفسنا مش سامعينه وحاطين وشنا في الأرض !! .. شويه وحط إبهامه في بقه وكأنه بيشرب شيشة وراح مقلد عم ماهر وقال : ألووووو !! .. طبعاً كلنا كنا قاعدين متكتفين ومخنوقين جداً من والد صاحبي ، لأن كلامه كان زي خطبة الجمعة !! .. آخر ما عمها اتخنق مننا ، راح قايل لصاحبي بصوت عالي وهو متغاظ : أمال فين الحاج ماهر ؟؟ .. وبمنتهى العفوية راح صاحبي رادد عليه من غير ما يبص لأبوه : بص يا عمي ، ده أبويا اعتبره في مقام الحاج ماهر !!


بعد كام يوم ، رحت القهوة أنا وصاحبي اللي كان مكتئب علشان موضوعه باظ .. جه عم ماهر وقال لصاحبي : ألووووو ، يا عم ما تزعلش !! قضا أخف من قضا ، مش أحسن ما أبوك كان قفشك بقرش الحشيش اللي عمها كان عاوزني اشتريهوله بميت جنية ؟؟ ياللا بقى ربنا يعوض عليه !!