العزال 2


أحياناً ، مهما تحاول أنك تفسر وتحلل وتمنطق اللي بيحصل لك في وقت ما من أوقات حياتك ، مش هاتعرف .

- اتنقلنا من المبنى القديم الكبير الفخم الجميلاللي كنت قعدت فيه تسع سنين ، لأوضتين تحت السلم في دور أرضي لمبنى مزعج وقميء وقريب من الشارع !! .. بعد التوقيت ده بشوية قفلت مدونتي القديمة .. وبعدها بشوية انتقلت الأسرة لشقة جديدة في حي آخر !! عن نفسي ما نقلتش معاهم بشكل نهائي (لأني كنت مقيم بصفة متقطعة في مكان آخر بسبب ظروف الشغل) .. وقتها كنت باتنقل ما بين أربع شقق في أربع أماكن مختلفة !! .. شقتنا القديمة وشقة الشغل والشقة الجديدة وشقة الزوجية الحالية .. بعد شوية نقلنا (أنا والشلة) قعدتنا من على القهوة اللي كنا بنقعد عليها بقالنا أكتر من عشر سنين وروحنا قهوة تانية !!


- التنقلات دي كلها في الفترة القصيرة نسبياً دي - تقريباً سنة - صدعتني وشرختني وفتفتتني لذرات كتيرة قوي متنتورة !! .. ومع كل ذرة منهم كنت بافقد جزء مني !! .. أصحى من النوم الصبح مش عارف أنا نايم فين !! ولو عرفت ، ما أضمنش إذا كنت هانام الليلة في نفس المكان ولا لأ ؟؟ أروح الشغل وأدخل يمين كالعادة بعد البوابة وأطلع المبنى القديم فألاقيه بيترمم ، فافتكر إنهم نقلوا مكان الإدارة !! أخرج من الشغل ألاقي رجليا متلخبطين ومتلخفنين !! باصين لي لفوق وبيقولوا لي على فين العزم ؟؟ أتخنق وأكسل وأجيب أي أكل من أي حتة وأروح أقعد على القهوة بتاعتنا أستنى حد من صحابي ييجي ياكل معايا ويونسني ، فافتكر بعد ما أقعد والأكل يبرد إننا غيرنا القهوة !! أفكر أدخل سايبر علشان الوقت يعدي وأروح البيت على النوم ، وأول حاجة أعملها أول ما أقعد على الجهاز أني أفتح المدونة ، فاتفاجيء أن ما فيش مدونة !! أجيب فاكهة أو أي حاجة حلوة معايا علشان اللي في البيت وأجري بسرعة على الشقة الجديدة ، وأنا نفسي ألحقهم قبل ما يناموا ، علشان نقعد نتعشى سوا .. فاكتشف إنهم راحوا لي الشقة القديمة !! وعقبال ما أرجع لهم يكونوا ناموا !! أروح شقة الشغل وأقعد أشتغل لحد ما أنام ، وأصحى مش عارف أنا نايم فين !!


في الفترة دي .. كان سؤال سهل جداً وعبيط جداً زي : وأنت قاعد فين ؟؟ ما باعرفش أرد عليه !!

افتقدت : التعود / الحميمية / الخصوصية / الاستقرار / الطمأنينة / الدفا / الونس وحاجات تانية كتيرة .. افتقدت ريحة الأكل المتسرسبة من تحت أعقاب بيبان الشقق وقت العصرية ، اللي كنت باشمها وأنا طالع على السلم !! .. افتقدت ريحة السلم بعد ما الولية أم أشرف كانت بتمسحه !! .. افتقدت باب شقة أم آية في الدور الأرضي اللي على طول مفتوح ، واللي ما بتفتكرش تقفله إلا أما تسمع صوت رجلين دخلت الحوش فتخرج من المطبخ بقميص النوم لحد الصالة وتزعق لآية البروتة علشان تجري تقفله بسرعة وترزعه في وشك !! .. افتقدت صوت جعير هاني وهو بيتخانق مع مراته في الدور الأول وبيسب لها الدين .. افتقدت الجزم والشباشب الكتيرة اللي كنت دايماً باتكعبل فيها قدام شقة أبو باسم في الدور التاني !! .. افتقدت نسل القط ميشو الجد الأكبر ، اللي أحفاد أحفاد أحفاده مستوطنين سلالم البيت من بعده لحد دلوقت !! .. افتقدت آخر تلات سلالم قبل السطوح اللي ياما قعدت عليهم أبحلق للسما وأحفر اسمي بغطيان الكازوز على السور الجير قدامهم !! .. افتقدت كل الحاجات اللي كنت باكرهها في البيت ده ، علشان اتعودت عليها !! .. افتقدت منظر الشارع العمومي الصبح من البلكونة .. افتقدت غسيل الجيران !! .. افتقدت منظر البت همت النشيطة اللي في البيت اللي جنب البيت اللي قدامنا وهي بتطلع كل يوم الصبح ما بين الساعة سبعة وسبعة وعشرة تنشر الغسيل بعد ما تنفض البلكونة وتمسح سقفها بالزعافة الطويلة وتمسح الأحبال وتحط السبت الأحمر اللي فيه المشابك على سور البلكونة وهي رابطة راسها زي العصبجية بمنديل أزرق باهت فيونكته من قدام !! ومنظر أمها اللي كانت بتطلع في نفس الوقت ده فوق السطوح تأكل الفراخ وتشقر عليها كل شوية من فوق وتقول لها : جدعة يا أختي ، وبعد ما تخلص نشير كان جدها يدخل يقعد في البلكونة يقرا الجرنان لحد الساعة تسعة إلا ربع !! .. وعلى الساعة تسعة بالظبط تنده جارتنا في البيت اللي جنبنا على عيلااااااء ابنها (اللي ساكن في الشقة اللي فوقيها وحيطة أوضته لازقة في حيطة أوضتي) علشان يصحى !! صوتها كان بيصحى المنطقة كلها !! بعد حيــــن تخرج مراته من شباك أوضة النوم اللي بيبص على المنور بالقميص الشفتشي وتقول لها بمياصة وهي بتتمطع ودراعها خارج من الشباك : خلاص يا ماما هو صحي أهه !! ويروح مزعق لها عيلااااااء علشان تقفل الشباك علشان عاوز ينام !! فتقوم أم عيلااااااء منقرزاها بنفس الكلمتين : ما طبعاً ليه حق يوخم وينام للعصر ، ما انتوا مقضيينها قلة أدب طول الليل !! وبمناسبة مرات عيلااااااء ، أحب أشكرها - بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن كل سكان الشارع - على ذوقها في البيرفيوم السكسي اللي كانت بتحطه لعيلااااااااء ، واللي كان بيخترق جيوبنا الأنفية احنا وسكان الشوارع المجاورة !! .. افتقدت صوت أم وليد وخنفتها وخناقها وهي بتنده على البياعين من بلكونتها اللي في الدور التالت وتقعد تفاصل في البصل والبطاطس !! وبعد ما تزّهق البياع من دول من كتر المناكفة ، تذله بتاع عشر دقايق علشان تنزل له السبت ، عقبال ما تقعد تخلص حبل السبت المتلخفن في بعضه !! وبعد ما تدلدل السبت الخوص المكسي بقماش تنجيد والبياع يحط لها فيه الخضار ، تشد هي السبت بسرعة وتطلعه البلكونة وتقعد تفرز في الخضار بالواحدة ، قبل ما البياع يكتشف أن السبت ما فيهوش فلوس !! والراجل يا عيني يفضل واقف في الشارع مستني الفلوس وهو بيقول لها : ما تخلصينا يا ست !! فتقول له : اصبُن يا خويا متصنبع عنى إيه ؟؟ يعني وناك الديوان ؟؟ .. وبعد كده تنزل له السبت تاني من غير فلوس برضة ، علشان الراجل يغير لها الخضار اللي مش عاجبها ، وهي متأكده أن البياع هايغير لها الخضار علشان ياخد فلوس الخضار اللي عندها !! وبعدين تطلع السبت تاني ، وتفرز في الخضار !! وبعد ما تتطمن أن الراجل ما ضحكش عليها ، تقول لأبو وليد (اللي بيكون قاعد أصلاً جنبها في البلكونة بالفانلة واللباس بيسقي البقسماط في الشاي أبو لبن) حاسبه !! .. تدخل أم وليد الشقة بالخضار ، وجوزها يستلم البياع ويقعد يفاصل معاه في سعر الخضار تاني من البلكونة !! .. غالباً الحوار ده بينتهي بأن البياع بيسب لهم الدين ويقعد يحدفهم بالبطاطس والبصل من الشارع !! .. فيطلع أبو ميمي بلكاعة (بعد ما البياع يكون شتم أبو وليد شوية حلوين) من ورا ستارة بلكونته اللي في الدور الأول اللي في البيت اللي قدامهم بالروب الكاروهات والزعبوط ، ويعمل نفسه بيحاول يهدي في البياع وهو في الحقيقة بيسخنه علشان يشتم أبو وليد !! لأن أبو وليد بيركن عربيته قدام مدخل بيته !! .. أبو وليد بيعمل نفسه مش واخد باله ويرمي الفلوس للبياع من البلكونة ويدخل شقته !! .. فتروح أم ميمي طالعة بسرعة في الخباثة وتنشر الغسيل من غير ما تعصرة ، علشان ينقط على كسوة عربية أبو وليد (وأحياناً كانت بتجيب جردل ميه وتعمل نفسها بتمسح البلكونة وهي قاصدة تدلقه على العربية ، سامحني يا رب) .. قدام عربية أبو وليد كان بيركن عم عبد المعز التاكسي الميه أربعة وعشرين بتاعه !! .. عم عبد المعز (أو عمو عز زي ما كنت مسميه زمان) كان بيوصلنا زمان بالتاكسي المية أربعة وعشرين ده لحد وسط البلد علشان نركب الأتوبيس بتاع المصيف !! .. كان ساكن في البيت اللي قدامنا في الشقة اللي تحت اللي قدامنا .. وكان عنده تلات بنات وولد .. انفصل عن مراته من ييجي عشر سنين .. ومراته اتجوزت واحد تاني .. الراجل بقى اللي اتجوزته مراته ده اكتشف موهبة التمثيل في بنته الوسطانية وباسم الله ما شاء الله عقبال ما تشوف بنات جيرانك كده بقت ممثلة مشهورة أوي دلوقت !! .. لسه من قريب بالصدفة شايف صورها ع النت هي وأخواتها البنات وأمها وأبوها في مناسبة فنية مش فاكرها .. بس طبعاً السِحن (جمع سحنة يعني خلقة) اتغيرت تماماً وأساميهم كمان اتغيرت !! .. يعني مثلاً اللي كانت اسمها أذكار بقت كوكي واللي كانت اسمها ناصرة بقت ناني وكده يعني !! .. بس والله يا عم بنت أصول !! .. البت بعد ما اتشهرت وبقت فنانة جابت لأبوها شقة جديدة في نفس المنطقة وعربية جديدة ع الزيرو .. مش قاعد لسه في شقتهم القديمة غير أخوها الصغير (اللي كبر وبقى زي الشحط دلوقتي) لأنه استشيخ وربى دقنه !! .. بس برضة ، البت بتيجي من وقت للتاني بعربيتها الفخمة في الشارع تزور أخوها ، وتتصور مع العيال الصغيرة بالموبايلات !! .. إيييييييه دوووونيا .