كورة التنس



زمان .. لما كنت عيل صغير .. كنت متعود أقف كتير لوحدي في بلكونة شقتنا القديمة .. كان فيه بيت قديم من دور واحد قدامنا .. هو مش قدامنا بالظبط ؛ هو جنب العمارة اللي قدامنا .. البيت ده عمري ما شفت فيه حد أبداً .. كان له بوابة حديد خضرا ، وشباكين لونهم أخضر ع الجنبين .. مش ده المهم .. المهم ؛ أن كان فيه شباك صغير عليه حديد بيطل على سطوح البيت ده .. الشباك ده كان تبع شقة في البيت اللي مدخله في الشارع اللي بعدنا .. كنت ساعات بعد العصر ألاقي فيه ولد واقف في الشباك ده وعمال يشاور لي بإيديه من ورا الحديد وبيعمل لي باي باي .. هو أنا ما كنتش باشوف وشه كويس ، علشان المسافة بيننا كانت بعيدة .. بس حركاته كانت بتضحكني .. في الأول ؛ كنت باتكسف !! .. وأروح موطي تحت سور البلكونة علشان ما يشوفنيش !! .. وبعدين أفضل أرفع راسي سِنة بِسنة من ورا السور لحد ما أشوفه بعيني .. وأول ما يشوفني أروح نازل تاني بسرعة ومستخبي !! .. وساعات كنت أجيب جرنان وأفرده وبعدين أرفعه فوق السور وأبص من تحتيه ، علشان أشوفه إذا كان هايكشفني ولا لأ ؟؟ (قال يعني الجرنان هايترفع لوحده) .. ولما ألاقيه بيشاور لي بصباعه السبابة جامد أعرف إنه قفشني أروح نازل بسرعة ومستخبي تحت سور البلكونة !! .. بعد كده ؛ هو كمان بقى يستخبى مني ورا الإزاز .. بس أنا ما كنتش باقدر أكشفه لأن الشباك كان صغير .. كانت دي لعبتنا مع بعض كل يوم لحد المغرب !! .. لدرجة إني ساعات كتير بالليل ، كنت باقف على ضهر الكرسي الكبير بتاع أوضة الصالون وأتشعلق على الشيش وهو مقفول علشان أبص عليه وأشوفه إذا كان موجود ولا لأ !! .. بعد كام يوم الإشارة ما بيننا اتطورت .. لما كان حد فينا يحب ينادي التاني ؛ كان يفضل يزغلل له بالمراية المحطوطة في وش الشمس وهو موجهها ناحية التاني !! .. وابتدا كل واحد فينا يطلع اللعب بتاعته للتاني .. يعني هو وراني الهارمونيكا بتاعته وقعد يعزف عليها (أنا في الأول ما كنتش أعرف أنها هارمونيكا أنا كنت فاكرها زمارة) ، لكن صوتها كان بيوصلني ضعيف جداً .. فأنا كمان رحت مطلع له الزمارة البلاستيك الحمرا اللي عندي (اللي زي بتاعة الراجل بتاع غزل البنات) وقعدت أنفخ فيها جامد أوي لحد ما واحد جارنا رخم طلع وزعق لي علشان باعمل دوشة !! .. كنا بنقعد نتسابق بعربياتنا الحديد الصغيرة (بس طبعاً عربيتي كانت أحلى لأنها زرقا ، إنما بتاعته هو بيضا) ، كنا بنفضل نمشيها بإيدينا في الهوا واحنا بنعمل ببقنا صوت الموتور والكالاكسات عاااااان بيب بيب بييييييب .. وكنا ساعات نجري على دواليبنا نفتحها وكل واحد فينا يلبس بدلة الظابط بتاعته ونقعد نحارب بعض بالمسدسات (كان كل واحد فينا ظابط وحرامي في نفس الوقت !!) .. ولما كانت أمهاتنا تنده علينا علشان ناكل ؛ كنا بنخليهم يعملوا لنا ساندوتشات علشان ناكلها واحنا بنلعب مع بعض !! وياما نمت في البلكونة من كتر ما هدني اللعب !! .. لكن أحلى يوم بجد ، كان يوم الطيارة الورق !! .. اليوم ده كنت لسه شاري طيارة بلاستيك ، ووقفت في البلكونة علشان أطيرها ، وكان هو بيشاور لها من الشباك !! .. قعدت أطوح في الخيط كتير علشان تطير .. وفيييييييين على ما بدأت تطير شوية صغيرين وبعدين راحت واقعة !! .. حاولت معاها كتير ، وفي كل مرة كنت باميل بكل جسمي مع الطيارة كأني باهز الهوا !! .. ولما طارت ، فرحنا أوي وهيصنا وهللنا !! .. وبالذات لما الهوا حدفها ناحية الشباك بتاعه ، حسيت كإنها بساط الريح اللي ممكن نركبه ونطير سوا !! .. فضلت تعلا تعلا تعلا ،  لحد ما اختفت ورا بيت أم رمزي !! وبعد كده الخيط انقطع !! .. طلعت فوق السطوح علشان أشوفها ، لقيتها طارت بعيد أوي عند الطيارات !! وزعلنا احنا الاتنين عليها أوي !!
في يوم وراني عوامة وجردل وجاروف وكورة تنس وقعد يعمل لي باي باي كتير أوي ففهمت أنه رايح البحر وزعلت أوي لأني هاقعد كام يوم مش هاشوفه ، لقيته فجأة راح حادف لي كورة التنس من الشباك ؛ وقعت على السطوح بتاع البيت اللي قدامنا !! .. بصينا عليها احنا الاتنين وتنحنا !!
في الكام يوم اللي هو سافر فيهم .. فكرت أعمل نفق من تحت بيتنا (تقريباً كنت متأثر بفيلم الهروب الكبير اللي شفته في نادي السينما !! مع العلم بأني كنت ساكن في الدور التالت !!) يعدي من تحت الشارع ، يوصلني لتحت البيت القديم اللي قدامنا ، علشان أتسلل بالليل وأروح أجيب كورة التنس اللي فوق السطوح !! .. وفعلاً ، قطعت ورقة من نُص الكراسة ورسمت فيها الخريطة ؛ بس ما رديتش أكتب دي خريطة إيه علشان ما حدش يعرف الخطة !! رغم إني كنت كاتب كلمة "بيتنا" على أول الخط الملولو (اللي هو النفق) بالبونط العريض وخبيتها تحت المرتبة !! .. بس اكتشفت إني محتاج جردل وجاروف لزوم حفر النفق ، فقررت تأجيل العملية لحد ما يرجع صاحبي من البحر وننفذها سوا !! .. وبقيت كل يوم أختلس حاجة من البيت لزوم العملية وأخبيها تحت المرتبة !! .. يعني مثلاُ : إزازة ميه ساقعة ، لعبة السلم والتعبان علشان لو حبينا نتسلى ، شيكولاتة (كنت كل شوية أروح أكل منها حتة) ، الحصالة بتاعتي ، وطبعاً المسدس بتاعي مع نُص دستة طلق !! .. لحد ما المرتبة اتنفخت وبقت كأنها مزروعة مطبات !! .. وفي يوم باقول لبابا : أنا عاوز كورة تنس ، قال لي : خد فلوس واشتريها !! .. حسيت أنه بجد ما أغبى الإنسان !! اشتريت الكورة ، وقررت إني أخلليها لحد ما صاحبي يرجع من البحر وأديهاله بدل الكورة بتاعته اللي وقعت فوق سطوح البيت القديم اللي قدامنا !! .. بس كانت المشكلة إزاي هاديهاله ؟؟ .. طبعاً إستحالة هارميها من البلكونة أحسن تِحصل اللي قبلها ، وبعد تفكير عميق جداً ، ما لقتش أفضل من فكرة النفق برضه !!

- الأيام بطيئة ، لكن السنين بتجري !! .. مش فاكر عملنا إيه وقتها بعد ما صاحبي رجع من البحر ؟؟ .. ولا فاكر هما هدوا البيت القديم إمتى وبنوا مكانه العمارة العالية دي ؟؟ .. العمارة ، اللي سكانها اتجوزوا وخلفوا وولادهم كبروا هما كمان وأكيد معظمهم اتجوزوا وخلفوا !! .. بس من يومين وأنا طالع شقتنا القديمة ، نده عليا واحد كان واقف قدام محل الحلاق اللي فتح جديد في البيت اللي جنبنا ، لما شافني داخل البيت ، قرب مني وسألني : هو حضرتك ساكن هنا ؟؟ .. قلت له : كنت !! .. قال لي : في تالت بلكونة ؟؟ .. قلت له : أه ، مين حضرتك ؟؟ .. قال لي : أنت مش فاكرني ؟؟ .. دققت في ملامحه لقيتها غريبة عليا ، فقلت له : بصراحة لأ !! .. قال لي : يا عم أنا اللي كنت بالعب معاك زمان من الشباك اللي كان ورا العمارة دي !! مش فاكر الطيارة الورق اللي وقعت فوق بيت أم رمزي ؟؟ .. لقتني باقول له : يااااااااااااااااه !! يا دين مامي !! أيوه يا عم فاكرك !! .. وبعدين قلت له : طب فاكر أنت كورة التنس ؟؟ .. قعد يضحك وقال لي ياااااااااااه يا عم دي بقالها تلاتين سنة !! .. وفضلنا نفتكر ذكريات الطفولة الجميلة لمدة ساعة تقريباً !!

قبل ما يمشي وهو بيسلم عليا ، لقيته بيقول لي : أنا اسمي محمد على فكرة !!