الناحية التانية



وقتها كان في تانية ابتدائي .. تاني فصل جنب السلم في الدور الأول .. يومها ، العيال كانوا بيقولوا نشيد ورا أبلة عواطف التخينة زي البغبغانات .. وهو كان مربع إيده ع التختة ونايم ورا الشنطة ، علشان كده ما سمعش الأبلة لما قالت : قيام .. لكن الواد أشرف زغده في كتفه علشان يصحى لأن فيه أبلة تانية دخلت الفصل وندهت على اسمه .. ولما وقف على رجليه بالعافية ، أبلة عواطف شافت خده الشمال أحمر ومنمل فعرفت أنه كان نايم في الحصة ، فسحبت إيديها على دقنها علامة أنها بتستحلف له وهاتضربه أربع عصيان لما الأبلة التانية تمشي !! .. لكن الأبلة التانية قالت له : هات شنطتك وتعالى علشان تروّح مع بابا !! .. بابا ؟؟ .. خد شنطته وجري بسرعة البرق على باب الفصل .. وهو خارج كانت أبلة عواطف بتتحرك ناحيته بالعصاية علشان تضربه على مؤخرته ، لكنه كان أسرع منها وهرب قبل ما تلحقه !!


الدنيا ما كانتش سايعاه لما شاف باباه ، اللي يومها كان لابس بنطلون بني أوي (ماكانش يعرف الغامق من الفاتح) وبلوفر بني بس مش أوي تحتيه قميص أبيض .. أول ما خرجوا من باب المدرسة ، بص لفوق على باباه وقال له : بابا شيل الشنطة !! .. باباه ضحك ورفع الشنطة من على ضهره ومسكها في إيده .. خطوتين .. والولد شاور لباباه بصباعه السبابة من غير ما يمد دراعه على البيت القديم اللي قدام المدرسة ، وقال له وهو بيهمس كأنه بيقول له سر : بابا !! شايف الشباك الحديد الأخضر اللي هناك ده !! المفتوح ده !! فيه ولد مجنون بيقف فيه على طول وبيفضل يخبط دماغه في الحديد ويصرخ !! .. والعيال في المدرسة بيفضلوا يحدفوه بالطوب من بعيد !! بس أنا مش باعمل كده والله العظيم علشان حرام !! .. وقبل ما باباه يبص على الشباك أو يرد عليه ، كان الولد بيسحبه من إيده ناحية بتاع الدوم وهو بيقول له : بابا !! أنا عاوز دوم !!


بعد ما الولد جَرَش شوية من الدومة سنانه وجعته لأن شوك الدوم غرس فيها ، إداها لباباه علشان يكملها وقال له : بعد ما تخلصها حط البذرة في الشنطة علشان بنلعب بيها كورة في المدرسة !! .. باباه فرح أوي بالدومة لأنه ما أكلهاش من زمان !! .. خطوتين .. وقبل ما باباه يخلص الدومة الولد قال له : بابا !! تعالى أوريك طريق جديد !! وراح ساحب باباه من إيده ودخل بيه في ممر صغير ضيق بين بيتين ، نهايته بتطل على خرابة كبيرة كلها أكوام زبالة !! الناحية التانية منها متسورة بسور طوب أحمر واطي محروق من جوه !! .. باباه قال له : الطريق ده مش نضيف ، ياللا نرجــ .. الولد ساب إيد باباه وراح طالع على كوم زبالة وقال له : يا بابا ما تخافش والله ، الطريق ده أسرع ، تعالى هامشيك من حتة نضيفة !! تعالى بقى يا أخي !! .. باباه ما حبش يزعله ، وف نفس الوقت حب يعرف الخرابة دي بتطل على إيه ؟؟ فابتسم له ومشي وراه .. عند سور الخرابة ، الولد طلع بسرعة على الحجرين الكبار المحطوطين فوق بعض جنب السور وهـُب راح ناطط الناحية التانية !! .. بعد ما نط نده على باباه وقال له : ياللا يا بابا نط بسرعة قبل ما الغفير يشوفنا ويجري ورانا بالعصاية !! ياللا نط يا بابا !! .. باباه كان مكسوف جداً ومرتبك ، لكن من جواه المغامرة كانت بدأت تعجبه ، و ف نفس الوقت خاف أحسن الغفير ييجي فعلاً فجأة ويشوفه وهو ما يعرفش يرد عليه !! بص بسرعة حواليه ما لقاش حد ، حط شنطة المدرسة على السور والدومة في جيب البنطلون ، سند برجله اليمين على الحجرين الكبار ونط !! .. بعد ما باباه نط اكتشف أنه في وسط شارع السوق !! .. وإن الخرابة دي هي الأرض بتاعة ولاد عبد الغني !! قال في سره : يا ولاااد الإيه !! دي تعمل لها بتاع تلات تلاف متر !! .. نفض بنطلونه بإيده ولسه بيلف علشان ياخد الشنطة من على السور ، لقى الست أم وائل اللي ساكنة في البلكونة اللي قصادهم واقفة جنب عربية طماطم وبتضحك عليه !! .. علق الشنطة على كتفه وطلع الدومة من جيبه وقعد يجرش فيها .. ومشي علشان يلحق ابنه اللي كان واقف مستنيه هناك عند عربية الآيس كريم .