السبنسة





كنت أشعر بالحرج من الفكرة وأنا أتابع بعيني القطار الإسباني وهو يتحرك ليغادر الرصيف ، ولكن لم يكن أمامي حينئذ مفراً أو وقتاً للإحراج !! .. كان القطار يتسلل خارجاً من المحطة ، وكانت الناس تتدافع بقوة ومهارة فائقة لتقف على السبنسة في آخر عربات القطار ، حتى إذا ما اعتلاها أحدهم أمسك بيد الآخر وجذبه ليوقفه بجاوره !! .. وأنا لا أحد يعرفني ليأخذ بيدي !! .. كنت أجري بجانبهم كالأبله دون أن أعرف بماذا أتشبث أو كيف أقفز !! .. فلتذهب كل علوم الأرض إلى الجحيم ما لم يعلمك أحدها كيف تنجو بنفسك !! .. كان القطار يزيد من سرعته فتتسارع معه دقات قلبي ويقترب الرصيف من نهايته ونهايتي أيضاً !! .. لم يكن هناك مكاناً لموضع قدم على السبنسة !! .. وحتى إذا وجد عليها مكاناً لإصبع فلم يكن لأحد من الواقفين عليها أن يسمح لي بأن أشاركه به في جنته !! .. من يصل أولاً يفرض قوانينه يا عزيزي !! .. ولكن بالرغم من ذلك قفزت !! .. قفزت لأهبط بجانب أحدهم على المصدة الحديدية للقطار !! .. قفزت لأقف بقدم واحدة !! .. وكان ذلك الهبوط الرائع بالنسبة إلي أعظم من هبوط أرمسترونج فوق سطح القمر !!


بعد بنهــا ، قال شريكي على المصدة الحديدية وكأنه يصفني : "أنا رجليا وجعتني ومش قادر أقف أكتر من كده !!" .. حاولت للمرة المليون ألا أركز عيناي على القضبان التي تنسحب من تحتنا بسرعة جنونية حتى لا أشعر بالدوار وأفقد اتزاني ، فالتفتُّ بعيني ناحيته والدموع تغرق وجهي من شدة الهواء وقلت له : "امسك نفسك" .. قال وهو يترنح : "أنا ركبي بتخبط في بعض وحاسس إني هاقع !!" .. كانت أصابع قدمي اليمنى التي أرتكز عليها تسبح عارية دون جورب في بحيرة من العرق داخل حذائي الجلدي الخفيف ، مما جعل موضع قدمي يتزحزح قليلاً دون أن أدري !! وبكل ما أوتيت من قوة ورغبة في الحياة تشبثت بذراعي بالكوة الموجودة فوق رأسي ورفعت جسدي المتخشب لأبدل قدمي اليمنى باليسرى دون أن أنظر إلى القضبان ، حينئذ شعرت بنصفي الأسفل يطير خلف القطار كذيل طائرة ورقية أفلتت من يد صاحبها !! .. وكادت يدي أن تفلت من الكوة وأقع !! إلا أنني بدلت بساقاي في الهواء بسرعة كراكب الدراجة ووضعت قدمي اليمنى ثانية على المصدة الحديدية !! .. خمنت أن شريكي لا بد وأن يكون قد ضحك على حركاتي البهلوانية وعدم خبرتي !! .. رفعت ذراعي الأيمن الممسك بالكوة وخفضت من رأسي لأنظر إليه ، فوجدته قد اختفى !!





في تلك اللحظة ، سمعت الرجل ذو الجلباب والذي كان أقرب الواقفين بجوارنا على السبنسة يصيح : "يا خبر أسود !! الواد وقع !!" .. وكأنني لم أرد تصديق ما سمعت فسألته ببراءة وأنا أحاول أن أحافظ على اتزاني فوق المصدة : "هو اللي هنا راح فين ؟؟" .. أطل عليّ بنصف وجهه المختبيء داخل التلفيحة وفحصني بعينيه المجهدتين ثم أجابني في تكاسل "وِقع !!" .. ازدردت ريقي بصعوبة ثم استدرت ونظرتُ إلى القضبان الممتدة إلى ما لا نهاية فلم أعثر له على أثر !! .. كنت قد نسيت – من أثار الصدمة - أن قدمي اليسرى لا تزال تسبح في الهواء مثل بنطالاً جافاً معلقاً على حبل غسيل في ليلة عاصفة !! .. فقمت بجذبها ووضعتها بجانب قدمي اليمنى التي كانت قد بدأت تضعف وترتعش .. بعد قليل لمحت الرجل ذو الجلباب الواقف على السبنسة يباعد بين قدميه ليضع قدمه اليسرى معي على المصدة !! ركلته بقوة في قدمه وأنا أنظر في عينيه بشراسة فتراجع !! .. كنت كمن يضع لافتة "هذه المصدة ملكية خاصة" حينئذ شعرت بأنني قد ملكت الأرض وما عليها !! .. نظرت حولي متطلعاً فاكتشفت بأننا قد اجتزنا قليوب !!

ولأن لا شيء يدهش الإنسان أكثر من قيامه بفعل أشياء لم يكن يتخيل يوماً أن يفعلها ، فقد اندهشت حقاً بعد فترة عندما وجدتني أقف بثبات على المصدة الحديدية ملصقا ظهري بآخر عربات القطار وأنا أتأمل مشهد الغروب في تلك اللوحة الكونية الرائعة والتي لن أنساها ما حييت !! .. كان كل شيئاً جميلاً ومنسجماً بشكل يدعو للخشوع والسكون والاسترخاء .. كنت كمن يشاهد فيلماً في منزله وهو جالس على أريكة وثيرة !! 


عقب مرورنا من أمام مخازن السكة الحديد بأبي غاطس ، علمت من الهمهمات الدائرة بين جيراني على السبنسة ، أنه يتعين علينا أن نقفز قبل أن يدخل القطار التحويلة الخاصة بمحطة مصر وذلك حتى نتفادى العساكر الذين ينتظرونا بالخرزانات ويلقون بالقبض على الأشخاص الذين يعتلون أسطح القطارات والمتهربين من ثمن التذكرة ويحررون لهم محاضر (يتقاسم العساكر بعد ذلك فيما بينهم حصتهم المالية من حصيلة تلك المحاضر) !! .. حينئذ علمت الأهمية الاستراتيجية لموقعي على المصدة الحديدية !! .. حيث أنني ونظراً لموقعي المتميز كنت أقف بالقرب من الحافة الخلفية للجانب الأيسر للقطار ، مما جعلني أكون المسئول عن الاستطلاع "الناضورجي" !! .. ولأني كنت أشعر بحقد طبقي وبكراهية تجاه شاغلي السبنسة الأرستقراط خاصة وبعد سقوط شريكي ، فقد قررت أن انتقم منهم !!

قبل رصيف المحطة بحوالي كيلو ونصف متر ، كان جميع الواقفين على السبنسة يتطلعون إلى ملامحي في لهفة وأنا أضع كف يدي اليسرى فوق جبهتي وأراقب الأفق !! .. كان الصمت سيد الموقف ، بينما كان الجميع يترقبون بحذر وخوف !! .. كان القطار قد قام بالتهدئة ولكن سرعته كانت لا تزال كبيرة !! .. ودون أن أرى شيئاً صحت فيهم فجأة بصوت عالي جداً أربكهم : "آهـُم !! هناك آهـُم !! العساكر واقفين بالكلاب !! نـُط بسرعة يا عـم !! العساكر واقفين لنا بالكلاب !! نـُط بسرعة يا جدع !!" .. ودون أدنى تفكير أخذ الواقفون على السبنسة يقفزون من القطار واحداً تلو الأخر ويتدحرجون على القضبان مثل أجولة البطاطس !! .. كان الواحد منهم يقع بعد أن يقفز ، ثم يقف بسرعة وهو لا زال يترنح محاولاً أن يجري وهو يتحسس مؤخرته من شدة الألم ، ثم يتذكر أن يلتفت وينظر باتجاه الرصيف على العساكر ، وعندما لا يجد عساكر ولا يحزنون كان يجلس على القضبان ليراقب من قفز بعده ويضحك عليه وهو يتخيل وقعته وخيبته الثقيلة !! 

* الصور من النت