كلما ترك مكاناً تبدل



قبل أن ينهي دراسته الابتدائية بعام واحد فقط ، كانوا قد بدأوا في بناء مبنى جديد بها ، تلك المدرسة القديمة والتي كان يتخيل دوماً طوال سنين الدراسة - لشدة قدمها وتهالك مبناها اليتيم - بأنها سوف تنهار فوق رأسه في أي وقت !! لذا فقد كان جل ما يشغل تفكيره وقتئذ سؤالان: أولهما : كيف يتفادى الموت في حال انهيار المبنى القديم ؟؟ .. وثانيهما : هما يعني ما كانوش قادرين يبنوا المبنى الجديد بدري شوية ؟؟ جايين يبنوه وأنا خلاص هاسيب المدرسة ؟؟ .. وقد علل له والده الأمر بأنهم قد بنوا هذا المبنى لتلاميذ الصف الأول الذين لا زالوا أطفال ليحببوهم في المدرسة ، إنما هو خلاص كبر وبقى راجل وهايروح إعدادي السنة الجاية ، مبنى إيه اللي أنت جي تقول عليه ؟؟ .. حينها ، لم يعلق بكلمة !! .. فقط ابتسم وتمنى ألا ينهار المبنى القديم فوق رأسه قبل نهاية العام الدراسي !!


عقب دخوله المدرسة الإعدادية ، لاحظ أنه كان يتم نقله وباقي التلاميذ من مبنى لآخر على فترات متباعدة لإخلاء وهدم المبنى القديم !! وهو الأمر الذي وإن جعل هواجس الموت تحت الأنقاض تهدد استقراره النفسي مجدداً إلا أن أعراض مرحلة المراهقة – وقتئذ - كانت كفيلة بالتشويش على تلك الهواجس وطردها من تفكيره !! .. إلا أنه تذكر الموضوع بعد عام من تخرجه من المدرسة بعد أن رآها قد تبدلت تماماً بأخرى جديدة ! 


في بداية أول عام دراسي له في المرحلة الثانوية - شوف حكمة ربنا يا مؤمن !! – ضرب زلزال 92 البلاد !! .. فتهدمت نصف مباني مدرسته (وربنا يا عم هي كانت بايشة أصلاً !!) ليجد نفسه فجأة وقبل أن يتعرف على مدرسته ، منقولاً وزملاؤه إلى مدرسة أخرى مجاورة في الفترة المسائية !! .. ثم أعادوا حشرهم في المبنى اليتيم الآيل للسقوط بمدرستهم القديمة مع وعد بنقلهم إلى مبانٍ جديدة سيقوموا ببنائها مع بدء العام الدراسي الجديد وهو الأمر الذي حدث فعلاً وزيادة ، ولكن بعد أن أنهى دراسته بها !! .. أما الزيادة ، فقيامهم بهدم المدرسة الاعدادية المجاورة مع مدرسته ليبنوا بدلاً منهما مجمع مدارس ، بدّل من شكل المنطقة تماماً .


في المرحلة الجامعية ، لم يكن يهتم كثيراً بحال مبنى الكلية المتهالك – حيث أنه قد اعتاد على الأمر - إلا أيام الامتحانات ، وهو الوقت الذي كان يزورها فيها .. ولكنه يذكر جيداً بأنه في إحدى المرات قد راهن "كمال" صديقه على علبة سجاير بأنهم سوف يهدمون الكلية ويبنون أخرى أحدث وأفخم منها عقب تخرجهم .. وهو الأمر الذي شرعوا فيه بالفعل بعد سنوات من تخرجه !! حيث شاهد في آخر زياراته لها "ماكيت معماري لمبنى جديد" .. ولكن !! أين تراه "كمال" الآن ؟؟


قد تتفق أو تختلف معي حول مفهوم "النحس" بالنسبة لذلك الشخص ، ولكن من وجهة نظر أخرى ، قد يكون هذا الشخص "قدم خير" على جميع الأماكن التي كان يحط عليها والأشخاص الذين أتوا من بعده .. بالطبع هو أمر جد محزن بالنسبة إليه ، أن تتغير تلك الأماكن وتتبدل وتمحى معها ذكريات عمره .. ولكن أليست تلك سنة الكون ؟؟ .. قدره أنه كان شاهد عيان على التحول .. بل لا أخفيك سراً فهو أحياناً يغبط نفسه على أنه شاهد ما لم يشاهده غيره من الذين أتوا بعده .. أما عن الذكريات ، فأماكنها وإن غابت عن النظر فسيظل مكمنها الأبدي في الروح .


تعقيب أخير .. اليومين دول – ركز أوي معايا – بيقولوا أنهم هاينقلونا لمبنى جديد في الشغل علشان يرمموا المبنى اللي احنا فيه – معايا أنت ؟؟ - تفتكر إن دي علامة ؟؟

:))