قطار المناشي السريــع


- وأنا صغير .. لما كنت باركب أي مواصله مع بابا .. كنت أبص م الشباك واسأله : هو الشارع ده بيودي على فين ؟؟ .. كان يقول لي : الشارع ده بيوصل للمنطقة الفلانية .. اسأله تاني : والمنطقة دي فيها إيه ؟؟ .. يقول لي : دي فيها كذا ، أو ساكن فيها عمو فلان .. ولما كنت أقول له : طب ما تيجي نروح هناك ؟؟ .. كان يضحك ويقول لي : بعدين ! .. صحيح أنه خدني حتت ومناطق كتيرة جداً وأنا صغير وهو اللي علمني وحفزني وشجعني أني أروح مناطق كتيرة لوحدي ما أعرفهاش من غير سبب ، عشان أشوفها وأعرفها .. إلا أني من ساعتها ما بطلتش لف ولا سفر ! .. لأن كل حتة أو منطقة أو بلد جديدة كنت باروحها ، كانت بتحفزني أروح للي بعدها واللي بعدها .. كانت بتفتح لي دنيا جديدة ، مليانة بشر وأماكن وصور وروايح وحكايات وذكريات .. كل مكان جديد كنت بازوره .. كنت باسأل نفسي سؤال واحد : يا ترى المكان ده حكايته هاتبقى إيه معايا ؟؟ .. وعمري ما استنيت إجابة .. لسبب بسيط .. لأن ما حدش عارف بكره فيه إيه ؟؟ ولا هانروح فين ؟؟ .. عشان كده .. لما كنت بارجع بيتنا في كل مرة .. وقبل ما أنام .. أقعد أفتكر كل تفاصيل الرحلة بحذافيرها .. وأقول في سري : يا سبحان الله .. شوف كنت فين ، ورحت فين ، ويا عالم بكره هاتروح فين ؟؟ 



- يوم السبت 5/5/2012 .. وصلت محطة مصر الساعة 9:30 الصبح .. كان بقالي كتير أوي ما دخلتهاش .. باسم الله ما شاء الله جددوها وعملوا فيها شغل أهه .. لأ بجد صرفوا عليها ووضبوها لحد ما شوهوها تماماً ! .. مسحوا بصمتها وريحة التاريخ اللي كانت فيها ! .. خللوها مسخ ع الموضة ! .. وإيه الخازوق المدبب اللي نازل من السقف ده ؟؟ .. ده بيعبر عن إيه لا موأخذة ؟؟ .. وإيه علاقته بالقطارات ؟؟ .. ما علينا .. سألت محصل تذاكر على قطر المناشي (لأني كنت شاكك في الرصيف بصراحة) .. قال لي بقرف من غير ما يبص لي : على رصيف 11 وشوح لي بإيده .. ولنا هنا وقفه .. ليه ؟؟ .. لأن طريقة رده – وقتها- بصراحة استفزتني جداً .. حسيت كأني باسأله مثلاً على خرابة أقضي فيها حاجتي ! .. لكن دهشتي راحت لما وصلت للرصيف !






- المسافة بين محطة مصر وبين رصيف 11 الموجود (اسماً) داخل نفس المحطة تبعد حوالي خمسين متراً .. تشعر معها وكأنها خمسين سنة ضوئية ! .. فرق شاسع مثل ما بين السما والأرض ! .. وكأن ركاب هذا القطار من كوكب آخر ! .. بصراحة اتضايقت جداً ! .. حسيت للحظة قد إيه الناس دول (وكلمة دول هنا للإشارة فقط والله ، ولا أقصد بها أبداً التقليل منهم) مهمشين ومظلومين من غير أي ذنب ، غير لأنهم مش من سكان القاهرة .. حسيت كأنهم منبوذين .. وكأننا نحن سكان القاهرة لا نريد أي صلة أو وسيلة تربطنا بهم ! .. وكأننا حالفين أننا نطلع عينيهم ونقرفهم ونتعبهم في كل مرة يحاولوا ييجوا فيها القاهرة ونخلليهم يحرموا يزوروها تاني ! .. العاهرة ! .. عفواً القاهرة اللي بتتذوق بالمليارات كل سنة وسايبه جلابيتها مرقعة ! .. أما الإحساس الأصعب واللي ضايقني أكتر من نفسي .. هو إحساسي بأني واحد من ضمن اللي ظلموا الناس دي ! .. مش بس لأني قاهري .. لأ ! .. لأني ما أعرفش – زي كتير من حضراتكم – مجرد حتى أسامي البلاد اللي بيعدي عليها القطر ! .. وده كان السبب الرئيسي اللي خللاني أركب قطر المناشي .. عشان أعتذر – ولو ضمنياً - لكل بلد عديت عليها بالقطر .. وأقول لهم في البوست ده : أنا آســف جــــداً بـجــد . 


- بعد ما وصلت للرصيف رقم 11 .. سألت عن ميعاد القطر ، قالوا لي هايطلع الساعة 10:00 .. سألت عن شباك التذاكر قالوا لي أنه موجود على باب المحطة التاني اللي ناحية موقف أحمد حلمي .. رجعت الخمسين متر لحد ما رحت للباب التاني .. لقيت جنب شبابيك الحجز وفي مكان لوحده كده ، كشك صاج مكتوب عليه بخط اليد بلون أزرق قطر المناشي ! .. قاعد جواه موظف نايم على دفتر زي دفاتر التموين .. ولما صحيته عشان أقطع تذكرة ، بص لي بإستغراب وقال لي وهو بيدعك عينيه : مش أنت جيت لي قبل كده ؟؟ .. قلت له : لأ اللي جالك في الحلم ده كان أخويا التوأم :) .. ضحكنا ، وقلت له : تذكرة إيتاي البارود (كنت أعلم مسبقاً بأنها آخر محطة في خط المناشي) .. قال لي : تلاتة جنية وربع .. قلت له : هو القطر ما فيهوش درجات ؟؟ (معلش يا اخوانا قاهري) .. قال لي : لأ كله درجة تالتة ((مطورة)) .. بصراحة عجبتني أوي ماكينة قطع التذاكر :) .. تحفة تحفة بجد .. تحس أنها أنتيكة .. حاجة كده شبه صندوق الدنيا ، أو زي الماكينة السحرية اللي كانت في فيلم Big بتاع توم هانكس اللي حولته من طفل لراجل كبير ! .. الماكينة بدراع طويل زي دراع التحويلة .. الراجل راح دايس على زرار أسود وشد الدراع ، يا سبحان الله ، طلعت تذكرة ! .. قلت له : ممكن أقطع تذكرة كمان وأطلب أمنية ؟؟ :)






على الرصيف رقم 11 الممتد لما بين أسفل كوبري الليمون ونفق القللي في رمسيس .. أكشاك كتيرة خشب لموظفين كانوا لسه بيفطروا أو يا دوب لسه مخلصين فطار .. تلاقي مجموعة منهم ملمومين في كشك وقدامهم صينية عليها أطباق فول وأقراص طعمية .. ومجموعة تانية في كشك تاني بيعملوا شاي .. أما المجموعة التالتة اللي خلصت فطار وشربت الشاي ، نامت ! .. القطر قديم ، لونه أصفر ، مكون من خمس عربيات .. ركبت في العربية التانية .. الكراسي بلاستيكية لونها أخضر باهت ومريحة إلى حد ما .. الشبابيك زجاجية مستطيلة بإطار حديدي صديء يجعلها لا تفتح أو تغلق عادة ! .. كان فيه عمال نضافة بيكنسوا القطر .. والقطر ما كانش زحمة ، في الغالب لأنه كان يوم سبت (أجازة) .. ومش ميعاد موظفين أو طلبة .. القطر المفروض أن ميعاده الساعة 10:00 .. اتحرك الساعة 10:30 .. أحب أنا المواعيد المظبوطة :) .. سألت الكمسري وهو بيشوف التذكرة : هو بيوصل إيتاي البارود إمتى ؟؟ .. قال لي : قول يا مسهل ! .. قلت له : يعني تقريباً كده إن شاء الله بياخد وقت قد إيه ؟؟ .. قال لي : يعني بتاع تلات أربع ساعات ! .. قلت له : شكراً .. ضحك وقال لي وهو ماشي : ده لو وصل ! .. قلت له : الله يطمنك يا شيخ !





- إنك تمشي على كورنيش النيل وتشوف فندق كونراد حاجة ! .. وإنك تركب قطر المناشي وتشوف نفس الفندق من ورا (من السبتيه بين البيوت القديمة الفقيرة) حاجة تانية خالص ! .. أول ما القطر اتحرك وبدأ يتهز حسيت أني راكب قطر في الهند ! .. لدرجة أني في الأول كنت حاسس أن الكراسي هي اللي بتمشي جوه القطر :) .. وعرفت معنى كلمة درجة تالتة ((مطورة)) .. بصراحة يا جدعان بتوع السكة الحديد مش حارمين الركاب من حاجة خالص .. كل شيء تتمناه ممكن ييجي لك لحد عندك وأنت قاعد في كرسيك معزز مكرم .. يعني مثلاً .. عاوز تاكل وتحلي وتشرب وتتسلى في الطريق .. هايعدي عليك بياعين : جوافة وتفاح أخضر وليمون ولب سوري ولب سوبر ولب أسمر وسوداني بقشره وترمس وسندوتشات طعمية وسميط وبيض وجبنة وقـُرص بعجوة وفطير وشاي وحاجة ساقعة وبسكويت وشيكولاتة وعسلية ونعناع وسجاير وولاعات وفيه كمان بتاع لبن بيطلع بالعجلة بتاعته عليها قسطين لبن في محطة بشتيل ، بس المشكلة أن اللبن ممكن يقطع على ما توصل ! .. مش عارف أنا إزاي ما يعملوش تلاجات في القطر ؟؟ 


لو أنت من هواة القراية وعاوز تتثقف .. هايعدي عليك بياعين : جرايد ومجلات قديمة (غالباً حريتي ونصف الدنيا أو أي مجلة عليها صورة واحدة قالعة) وكتيبات أذكار وقصص الأنبياء وأدعية .

عاوز تلبس أنت وولادك .. هايعدي عليك بياعين : صديريات فيه بسوستة وفيه بزراير ، الصديري بخمسة وعشرين جنية ، ممكن تفاصله وتاخد منه الواحد بسبعتاشر ونـُص .. مناديل قماش ، المنديل الكبير باتنين جنية ونص والصغير بجنية ونص .. مناديل بقوية .. بناطيل ترنجات وشورتات (ممكن تقيس البنطلون ورا الباب) .. شرابات (التلاتة بعشرة) .. ساعات ونضارات شمس ونضارات نظر مستعملة (وجربها بنفسك) .. عبايات أطفال ألوانها مزركشة فوشيا وموف وبمبى العباية الواحدة بسبعة ونص .. أحزمة جلد ومحافظ .. سلاسل ذهب صيني الواحدة بجنية (ما تستغربش أحسن تتغز) .

أما بقى لو عاوز تاخد هدية للناس اللي أنت رايح لهم .. هايعدي عليك بياعين : براويز جبس وتماثيل .. شمعدانات ملونة (التلاتة بعشرة) .. أقلام جاف (الاتنين بجنية) .. لعب أطفال وشخاليل .. ميت جلدة أنبوبة بجنية !

وبعدين إوعي تقلق خالص من شكلك أو منظرك لو كنت مبهدل .. لأن بالإضافة لبياعين الهدوم فيه بياعين مكن حلاقة وشفرات وبرفانات ومناديل ورق وبتوع ورنيش .. يعني عقبال ما تاكل وتحلي ، وتحلق دقنك ، وتتبرفن وتغير هدومك وتلمع جزمتك تكون وصلت :) .. ولو يا سيدي ما عاكش رصيد تكلم الناس اللي أنت مسافر لهم ، هايعدي عليك بتاع كروت شحن ، عشان تشحن وتتصل بيهم تطمنهم عليك !


طب قوللي بالله عليك تلاقي فين تطور أكتر من كده ؟؟ .. مش المفروض بقى تحمد ربنا وتشكره على النعمة دي ؟؟ .. مش واجب عليك تطلع حاجة لله ؟؟ .. صح ولا لأ ؟؟ .. هاتقول لي إزاي وأنا في القطر ؟؟ .. أقول لك : ودي حاجة برضة تفوت على بتوع السكة الحديد يا وله ؟؟ .. من الناحية دي أحب أبشرك عزيزي الراكب أن هايعدي عليك وأنت قاعد في مكانك أرذل وأغتت أنواع الشحاتين والمتسولين على الإطلاق ! .. ومش هايسيبوك في حالك إلا أما تطلع كل اللي في جيبك أو تنط من القطر وهو ماشي ! .. وحتى برضة لو نطيت وربنا كتب لك عمر جديد هاتلاقي واحد فيهم مستنيك بالحضن !


- ما كملتش لـ إيتاي البارود .. نزلت الخطاطبة .. خدت توك توك وبعدين ميكروباص رايح المناشي بـ اتنين جنية ونـُص .. الميكروباص ده مشي بيا مسافة ما يعلم بيها إلا ربنا ! .. لدرجة أني كنت هابوس رجل السواق علشان ينزلني ! .. مش عارف أنا هما هناك بيزرعوا بنزين ولا إيه ؟؟ .. نزلت المناشي وخدت ميكروباص لحد الوراق بجنية .. وبرضة مشي بيا بتاع ساعة ! .. وأول ما شفت الطريق الدائري قلت للسواق : على جنب يا أسطى !

أنها دُنى تجتازها في دقائق !


- في الرحلة القصيرة دي قابلت واتعرفت على ناس وأماكن جديدة كنت أول مرة أشوفها أو أعرفها .. وسابت جوايا إنطباعات كتيرة وأوحت لي بقصص كتيرة ورجعت بشوية ذكريات حلوة لفتهم جوه أربع مناديل قماش :) .. على سبيل المثال : شفت وردان .. اللي منير غنى لها "وعدي ع الجيزة خفاجه .. وردان ضلوعي الخفاجة" .. شفت الراجل العجوز ، اللي كان بيرمي عيش للسمك الصغير في منشأة القناطر من غير ما يصطاده .. السمك الصغير اللي قدر يهرب من صيادين القاهرة ! .. كوبري القناطر اللي محفور على العمدان الحديد بتاعته هلال حاضن تلات نجوم .. وغيرها .. مهما قلت ، مش هاعرف أعبر عن سعادتي باليوم الجميل ده ، ولا هاعرف أختزل كل البلاد اللي شفتها والملاحظات اللي سجلتها في سطور ! ..كل اللي أقدر أقوله للناس الحلوة الطيبة السِمحة الجميلة أوي أوي دي ، أني أدعي لهم بكل الخير والسعادة وصلاح الأحوال .. وتعالى نلضم أسامينا :)







خط سير قطار المناشي من محطة مصر وحتى الخطاطبة : محطة مصر 10:30 .. إمبابة 10:40 .. بشتيل 10:47 .. بشتيل البلد 10:50 .. الكوم الأحمر 10:55 (محطة قديمة ومن غير رصيف ، مش عارف أنا الستات والأطفال بينزلوا إزاي ؟؟) .. أوسيم 11:00 .. بـُرطـُس 11:05 (القطر وقف فيها عشر دقايق عشان القطر المقابل يعدي واليافطة الخاصة بالمحطة ممسوحة تماماً) .. الجلاتمة 11:20 .. المناشي 11:25 .. ذات الكوم 11:30 .. نكلا 11:35 .. برقاش 11:40 .. القطـّا 11:45 .. القطـّا البلد 11:50 (لم يتوقف فيها) .. الجزيرة الوسطاينة 11:53 .. أبوغالب 12:00 .. وردان 12:07 (بيبنوا فيها محطة كهرباء) .. بني سلامة 12:12 .. الخطاطبة 12:20 .




** صورة محطة مصر وصورة قطار المناشي من النت ، أما الخرائط عملتها على الجوجل إيرث والصورة الأخيرة للتذكرة السحرية :)