سبق



زمان .. لما كنت صغير .. كانوا في العيلة رابطين بيني وبين ابن عمي في كل حاجة .. كنا من سن بعض .. وكانوا بيعاملونا كأننا جوز خيل في سبق وبيتراهنوا على مين اللي هايكسب فينا .. مش مهم إحنا عاوزين إيه ؟ .. ولا هانقدر نعمله ولا لأ ؟ .. ولا إزاي وليه هانعمله ؟ .. المهم .. إن اللي هما عاوزينه لازم يتعمل ، زي ما هما عاوزين ! .. حتى لو واحد فينا فاز بالسبق ومات بعد كده !


"نصر آخر ونكون قد انهزمنا تماماً"

الكلمة دي مش فاكر مين القائد اللي قالها في حرب كان انتصر فيها بعد ما خسر كل جنوده وما فضلش معاه غير عسكري واحد .


بالنسبة لي .. فرحت شوية في الأول أنهم مبسوطين مني لما كنت باعمل اللي هما عايزينه .. لأني كنت بانول الرضا السامي وباخد اللي أنا عايزه .. بس بعد كده .. بدأت أحس إني زي اللعبة اللي بزمبلك .. مش مسموح لي أعمل اللي أنا عايزه وقت ما أحب أعمله إلا لو كانوا هما كمان عايزينه في نفس الوقت ! .. فبدأت أنفض لهم .. وأعمل اللي أنا عايزه (أو فاكر إني عايزه) من باب العند ليس إلا .. كنت ممكن أعمل أي حاجة لأي حد تاني عايزها .. المهم إني ما أعملش الحاجة اللي هما طالبينها مني .. حتى لو فيها مصلحتي ! .. ورغم إني في الغالب كنت بافشل .. لأني ماشي من غير هدف ولا خطة ولا دعم .. فكنت بارجع لهم برضه في الآخر علشان أرمي غلطي عليهم وأعملهم شماعتي وأقوللهم : شفتوا ؟؟ عاجبكوا كده ؟؟ آهو اللي أنا فيه ده بسببكم ! ما أنتوا لو ما كنتوش عملتوا كذا ما كانش ده حصل ! خلليكوا كده بقى ! أحسن تستاهلوا ! .. ولما كانت بتصادف معايا وأنجح في حاجة عملتها حتى لو مش عايزها (على أساس يعني أني عملتها لوحدي من غير مساعدتهم ليا اللي أنا ناكرها ومش عايز أشوفها) كنت بابقى عامل زي اللي فتح عكا .. كان ناقص أتحزم وأرقص لهم !


على الجانب الآخر من الحدوتة .. كان هناك ابن عمي .. متفوق ومجتهد ومثابر ومتبرمج .. لا بيحود يمين ولا شمال ! .. ذاكر يذاكر .. ما تصاحبش فلان ماشي .. اعمل كده يعمل .. ما كانش بيفكر غير في اللي هما عايزينه وبس .. وإزاي يعمله بأحسن طريقة .. حتى لو هو مش قادر فعلاً يعمل ده ! .. وبعد ما يعمله يبدأ يقنع نفسه بأن اللي عمله ده أكيد اللي هو كان عايزه .. وهو يعني هايفهم أكتر منهم ؟ .. خوفه من أنه يفشل قدامهم .. خللاه يعمل أقصى ما في وسعه علشان ينجح .. علشانهم .. خللاه ما يحاولش يعمل أي حاجة تانية - حتى لو كانت حاجة هو بيحبها وعايزها - غير الحاجة اللي هما عايزينها أحسن يفشل قدامهم ! .. علشان كده وإحنا صغيرين .. كنا – بسببهم – بنشوف بعض منافسين لبعض .. خصمين .. يجب على كل واحد فينا الاحتراس من الآخر واجتنابه قدر الامكان .

كبرنا .. واتخرجنا .. واشتغلنا .. واتحررنا .


بالنسبة لي ما حستش أوي ساعتها إني اتحررت .. ما أنا أصلاً كنت حر ! .. بس بدأت أحس بالاستقلال ! .. والاستقلال ده مع الحرية والتمرد خللوني بقيت عامل زي القطر اللي ماشي بأقصى سرعة من غير فرامل ولا قضبان ولا سواق ! .. جمحت وخرجت بره التراك .. كنت في الوقت ده باسابق نفسي بس . 

بالنسبة لابن عمي .. الوضع ما اتغيرش كتير .. إحساسه بالالتزام بالتبعية كان مسيطر عليه .. كان مفهوم الحرية بالنسبة له ساعتها : أنه حر في اختيار أي خيار من الخيارات - المفروضة عليه منهم - ودي كانت طفرة بالنسبة له لأنه كان بيحس أنه بيختار وبينجح في اللي بيختاره .. وأنه هايكسب السبق .


علاقتنا ببعض في الوقت ده كانت زي الحرب الباردة .. صحيح أن كل واحد فينا مشي في طريق غير التاني .. بس السبق ما خلصش طالما لسه فيه خيل بتجري !



تجري السنين .. وتدور الأيام .. وتتقابل الطرق .. والخيل !


بالنسبة لي كنت خلاص تعبت من كتر الخبط والتخبيط .. كنت شبعت صياعة م الآخر ومحتاج أهدى وأرتاح ! .. ولأني كنت جربت ميت طريق واتعضيت واتهبشت من مليون كلب ، فعرفت واتعلمت واتربيت واتعظت وبدأت أمشي في الطريق الصح ، حتى لو كنت اتأخرت شوية ، بس الحمد لله قدر الله وما شاء فعل .


أما بالنسبة له فكان زهق من كتر الالتزام والتعليمات والاختيارات المتحددة وبدأ يتمرد ! .. ويعيد نفس اللي كنت باعمله زمان بالظبط ! .. الفرق بيننا في التوقيت ! .. عشرين سنة !


دلوقت .. أنا وابن عمي أصحاب لأن السبق اللي بيننا انتهى .. كل واحد فينا بيجر عربية محملة .. مخللياه ما يبصش غير قدامه وبس ! .. كل واحد فينا بيعافر في مليون سبق قصاد مليون خيل ونمور وذئاب وصقور ما يعرفهمش ، ولو وقف يا هايتداس يا هيتاكل ! .. دلوقت .. كل واحد فينا نفسه يبقى مع التاني مش علشان يسبقه ويفوز عليه .. لأ .. علشان يتونس بيه ويتعكز عليه .. لأننا في النهاية حتى لو وصلنا متأخرين .. فالسبق ما بيخلصش !