عصافير الجنة







طارق لما كان عنده أربع سنين كان بيحب يقعد على رجل باباه في الأتوبيس جنب الشباك .. وكان بيفرح أوي بنفسه لما يمسك في الحديد اللي فوق المسند اللي قدامه وكأنه ماسك الدركسيون بالظبط .. ويميل بجسمه يمين وشمال كأنه هو اللي بيسوق الأتوبيس ! .. وكل شوية يضم صوابعة الأربعة للإبهام ويفتحهم ويقفلهم كذا مرة كأنه بيزمر : بيب بيب .. وباباه – لأن هو اللي كان حافظ السكة – يقول له : خـُش يمين يا طارق ، يروح طارق محود الدركسيون ناحية اليمين ، يلاقي الأتوبيس دخل يمين ! .. يفرح أوي أوي بنفسه ويفضل يضحك كتير .. ويقول : ثـُفت يا بابا أنا باعرف أثوق إزاي ؟؟


طارق كان ساعات يتلسع من شباك الأتوبيس لما ييجي يسند بكوعة عليه ! ..  لكنه كان بيتكسف يقول ييح لأنه راجل كبير مش عيل صغير ! .. كان يقعد يطلع في التذاكر الملفوفة المحشورة جوه مجراة الشباك بضوافرة ، ويقعد يفرد فيها وبعدين يقطعها فتافيت صغننة خالص ويرميها بإيديه الاتنين م الشباك ويقول : هيييييييييه عصافير الجنة .


طارق كان بيتضايق أوي من الوقفه في الإشارات ! .. ولما باباه فهمه أن فيه ناس تانيه غيرهم جايه من حتت تانيه وعاوزه برضه تروّح بيوتها .. كان ينفخ م الزهق ويقول : يعني هما يروحوا واحنا لأه ؟؟ احنا اللي جينا الأول ! .. ولما الإشارة كانت تطول ، ينسى الدركسيون ويقعد يبص من الشباك على العربيات اللي بتعدي قدامهم عشان يشوف الناس التانية دي شكلها إيه ؟ .. يمكن لما يشوفهم يقدر يعرف الحتت التانية دي شكلها إيه ! .. وفجأة يمسك باباه من دقنه عشان يوريه حاجة من الشباك  :  بـُث يا بابا ! فيه راجل أثود هناك أهه / راجل تخين أوي ومش عنده شعر / الثت اللي هناك دي بطنها فيها ننه ! .. في الغالب كانت أكتر حاجة بتشد انتباهه غير محلات لعب الأطفال وبياعين الـ لولا .. هي الأطفال اللي من سنه ، العالم بتاعه اللي شبهة .. ولما كان يزهق م الفرجة أو يلاقي باباه مش مركز معاه ، يرجع تاني للدركسيون ويقعد يزمر عشان الإشارة تفتح ! .. ولما الإشارة تفتح يتضايق أوي لما عربية ولا أتوبيس يكون واقف جنبهم في الإشارة ويسبق الأتوبيس اللي هما راكبينه !


طارق كان بيتكسف أوي لما يكتشف أن حد كبير بيبص له وبيغمز له وبيلاغيه !.. في الأول بيروح باصص في الأرض شوية ، وبعد كده يرفع راسه في الخباثة يشوف إذا كان لسه الحد ده بيبص عليه ولا  لأ ؟ .. ولو لقاه لسه بيبص عليه ، يتكسف تاني ، ويضحك ، ويبدأ ياخد عليه ، ولما الأتوبيس يتحرك يعمل له باي باي ويحدف له بوسه في الهوا ويفضل باصص عليه لحد ما رقبته تتلوح ، عشان يتأكد أنه خد البوسة بتاعته مش حد تاني !


الذكريات الحلوة دي كلها ، عدت على طارق في ثواني وهو واقف قدام محل إكسسوارات العربيات بيظبط عربيته الجديدة وبيلزق إستيكر على الإزاز من ورا .. افتكرها لما شاف ابنه اللي عنده أربع سنين قاعد على كرسي السواق وماسك الدركسيون كأنه بيسوق ، زي ما كان بيعمل زمان بالظبط ! .. افتكرها ، لما شاف ابنه بياخد منديل من العلبة اللي على تابلوة العربية وبيقطعة فتافيت صغننة خالص رماها من الشباك وقال : هيييييييييه عصافير الجنة .


طارق بعد ما دفع حساب الصنايعي ومشي بعربيته الفضي اللي كتب على إزازها من ورا :    

Don't drive fast , just flying slowly

جيت وكتبت لكم البوست ده :)