برواز متوسط الحجم



تصيح الأم من المطبخ :

- ياللا يا بت عشان تستحمي !

- للللللللللللأ !

- يا بت هي النضافة بتقرصك ؟؟

- ما ليش دعوة ، أنا اثتحميت يوم الجمعة ، وانتي ما اثتحمتيش !

بعد أن تفشل في إخفاء ضحكتها ، تخرج الأم من المطبخ بحثاً عن "الصغيرة" وهي تحاول أن ترسم على وجهها علامات الغضب ، تستعين على ذلك بـ كبشة في يدها تلوح بها في تهديد ووعيد .. وقبل أن تصل لمنتصف الصالة تلمح أصابع "الصغيرة" من أسفل مفرش كرسي الأنتريه ، فتبتسم في سرها على شقاوة ابنتها ، وتقرر إنها ما تعكننش عليها في يوم زي ده .. ثم تجلس على ذات الكرسي وكأنها لم تر شيئاً .. من فوق منضدة صغيرة بجانبها تلتقط صورة زوجها ذات الشريط الأسود المائل ، الموضوعة داخل برواز متوسط الحجم .. وتتحدث بصوت عالي :

- خلليك شاهد يا "عصام" على بنتك وشقاوتها ! .. مش عاوزه تستحمى وتغير هدومها يوم عيد ميلادك .. بتقول إيه ؟؟ .. ما أجيبهاش معايا ؟؟ .. حاضــر .

تصيح "الصغيرة" من أسفل الكرسي وهي تدافع عن نفسها :

- لأه .. والله يا بابا اثتحميت بالليفة يوم الجمعة ، وماما ما اثتحمتش !

- سامع يا "عصام" طولة اللسان ؟؟ .. يرضيك كده ؟؟ .. خلاص أنا هاجيلك لوحدي !

تنفجر "الصغيرة" في البكاء .. ما ليش دعوة أنا هاجي معاكي ! .. أنا هاجي معاكي !

- يعني هاتستحمي ؟

- أه ، بث من غير ليفة !

..............................................


- انزلي هاتيلي كيس ملح خشـن بسرعة !

- وأجيب شيبثي ؟؟

- الشيبسي هايسد نفسك ومش هاتعرفي تاكلي !

- طب أجيب عثلية !

- العسلية بتسوس السنان ! .. تعالي أقشر لك برتقانة أحسن.

- لللللللللللللأ .. أنا عاوزه عثلية !

- قلت ما فيش زفت !

- تعالى يا "عثام" شوف مراتك ! .. إيه ؟؟ .. بتقول إيه ؟؟ .. أشتري شيبثي وعثلية وشيكولاتة ؟؟ .. حاضــر يا بابا .

تنفجر الأم ضاحكة في المطبخ .. وتنادي على "الصغيرة" :

- ماشي يا مقصوفة الرقبة انتي يا أم نص لسان ! .. خدي عشرة جنية من ع التسريحة اشتري كيس ملح خشن وهاتيلك كيس شيبسي ! .. بس على الله ما ترضيش تاكلي ع الغدا ! .. واطلعي بسرعة يا بت !

..............................................


عندما لم تجد "الصغيرة" الملح "الحشن" - كما تنطقه - عند "صلاح البقال" أو "السوبر ماركت" الذي على ناصية الشارع قررت أن تسير قليلاً حتى شارع السوق .. وبعد أن سألت "عنتر" الفرارجي و"صالح" الموان ، دلتها بائعة الجرجير على محل العطار الذي يقع بعد المخبز الأفرنجي مباشرة .. وقبل أن تصل إلى المخبز ، تسمرت قدماها أمام الواجهة الزجاجية لمحل العطور ، الممتلئة بالزجاجات الملونة من مختلف الأحجام .. بعد أن دفعت الباب برفق ، تسللت لأنفها بعض الروائح الذكية فابتسمت في نشوة دون إرادة منها .

- هي الريحة بكام يا عمو ؟؟

- ياللا يا شاطرة من هنا ، الريحة دي للكبار بس !

- ما أنا عارفه يا ناثح ! .. أنا هاجيبها لبابا عشان عيد ميلاده !

- هههههههههههه ماشي يا لمضة ! .. فيه من أول عشرة جنية !

- يعني لو إديتك عشرة جنية تديني إزازة حلوة كبيرة ؟

- هاديكي إزازة حلوة قد دي كده !

تمسك "الصغيرة" بالزجاجة ، وتقلب فيها ، فتكتشف إنها أصغر بكثير مما توقعت !

- إيـــه دي ؟؟ .. أنت بتضحك عليا ؟؟ .. دي إزازة البيبث أكبر منها !

- يا ماما دي مش للشرب ! .. دي ترشي منها شوية صغننة تخللي ريحتك حلوة ! .. ثم يرش على يديها الصغيرة قليلاً من زجاجة كانت في يده .. شمي كده ؟

- اللللللللللله .. دي ريحتها حلوة أوي ! .. حط شوية كمان والنبي !

- حاضر ! .. حلو كده ؟؟ .. ياللا بقى اتفضلي !

- طب خد عشرة جنية وهات إزازة لبابا !

- لأ .. أنا هارشلك شوية على منديل وتروحي تاخدي رأي بابا الأول ، لو عجبته تعالي وأنا أعمل لك إزازة .. اتفقنا ؟؟

- اتفقنا :)

..............................................


في المساء .. تنسل "الصغيرة" في هدوء من تحت الغطاء بعد أن تتأكد من استغراق أمها في النوم .. تتسلل في خفة إلى الصالة .. تخرج المنديل المعطر من جيب بيجامتها وتقربه من البرواز متوسط الحجم .. كل ثنة وأنت طيب يا بابا .. شـِم الريحة دي كده ؟؟ .. حلوة ؟؟ .. خلاث هاشتريلك إزازة بكرة بعشرة جنية ! .. بث خللي ماما تديهوملي عشان أنا مش معايا فلوث ! .. تـُقبل البرواز وتضعه في مكانه .. وقبل أن تستدير عائدة إلى فراشها تستكمل : هو أنا ممكن أبقى أحط شوية من الريحة بتاعتك يا بابا ؟؟ .. شوية ثغيرة والله أنا وماما ! .. لو مش عاوز ماما تحط بلاش ! .. مشكرة أوي يا بابا .. تعود "الصغيرة" إلى فراشها في سعادة .. دون أن تلحظ إتساع الإبتسامة داخل البرواز :)