لماذا تضحك العصافير



كانت أغصان شجرة التوت تتسلل في حياء من النافذة .. ناثرة أوراقها في تناغم عشوائي على سطح المكتب المعدني القديم ، كأنه فراشها الوثير الذي تحتضن فيه ثمارها الصغيرة .. وكانت النسيمات الشمالية تداعب الأوراق من وقت لآخر ، تمنحها قبلات سريعة ، ولكنها متقنة ، تلفح الأوراق بنشوة مؤقتة ، فتصدر وشيشاً يدغدغ مسام الروح .

يحرص الجميع على الحضور مبكراً في يوم "لم الغلة" كما كنا نسميه .. بينما نضطلع نحن الرجال بمهمة قطف الثمار من على الشجرة ، يتكفلن الزميلات بإعداد القراطيس الورقية بعدد المتواجدين .. ثم نتشارك جميعاً الضحكات على منظر أيادينا وثيابنا الملطخة بآثار التوت .


يتكرر المشهد ذاته في الشارع .. حيث يتبارى الأولاد في إلقاء الحجارة على الشجرة لإسقاط الثمار ، بينما يسارعن الفتيات - في تنافس - لإلتقاط أكبر قدر ممكن من الثمار الساقطة ووضعه في جيوبهن الصغيرة بعد أن يتذوقن نصفه على الأقل ، ربما هن يعلمن مسبقاً بأن الأولاد لن يكونوا عادلين معهن في التوزيع ، وبذلك يحصلن مقدماً على ما سوف ينقص من نصيبهن مؤخراً .. لكن من المؤكد أن الضحكات الطفولية البريئة كانت توزع على الجميع بالتساوي .



العصافير أيضاً تشارك الجميع في الإحتفالية .. بل هي الأسبق من الجميع بحكم محل إقامتها الكائن في الشجرة .. فما عليها إلا أن تتنقل في الصباح الباكر من فرع لأخر .. تتذوق هذه الثمرة وتعبث بتلك ، حتى إذا ما شبعت وارتوت وصبغت مناقيرها الصغيرة بلون التوت ، انتابتها جميعاً حالة هيستيرية من الضحك .. يبدأ الأمر بأن يرى كل عصفور أقرانه كالمهرجين في السيرك ، فيضحك من تبدل أشكالهم ، وهو لا يعلم أنه على شاكلتهم .. ثــم يلاحظ كل منهم بعد أن يهدأ قليلاً أن الجميع أيضاً يضحكون ، فيكتشف أن لديه فائض من الضحك لم يخرجه بعد ، فيضحك معهم من جديد دون تفسير واضح لديه ، إلا أنها عدوى الضحك .. ثــم يتوقف الجميع لحظات لإلتقاط الأنفاس ، حينئذ قد يبدأ البعض منهم في تأمل ما حدث ، وتفسيره ، وما أن يصل أحدهم للحظة الحاسمة التي يدرك فيها حقيقة ما حدث ، حتى يبدأ عاصفة من الضحك المدوي ، هذه المرة يضحك أكثر لأنه قد عرف السبب الحقيقي وراء كل هذا الضحك ، أنه يضحك الأن على نفسه .. فيظل يضحك حتى البكاء .. ثم عندما يتوقف الجميع لإلتقاط الأنفاس .. يبدأ مع الذين سبقوه الفهم في مراقبة الجميع .. منتظرين أحدهم أن يبدأ نوبة الضحك .. لأنه حينئذ سيكون قد عرف مثلهم السبب وراء هذا الضحك .. وبالطبع سيكون هو الذي يضحك كثيراً .