لما تكبر هاتعرف


ساعات .. باحس إن حياتنا بتسرقنا مننا .. باحس إنها هي اللي بتعيشنا .. مش إحنا اللي بنعيشها .. باحس إننا دايماً بنتعود على الحاجة وهي بتنتهي .. بنحس بقيمتها بعد ما بتضيع مننا .

البيبي الصغير اللي لسه بيبدأ يتهته في الكلام .. وكل لغته عبارة عن كام حرف .. فاكر أنه بيهم هايقدر يكلم الناس كلها ويعبر عن اللي جواه .. ويستغرب أوي لما حد ما يفهموش .. ويضطره أنه يشاور بإيده علشان يوصل له هو عاوز إيه .. بيفتكر ساعتها إن العيب في اللي قدامه لأنه مش قادر يفهمه !

ما فيش كام يوم وبينسى التهتهه .. وبيعرف يتكلم وينده ع الناس والحاجات بأساميها .. صحيح ما بيبقاش فاهم معنى الكلام اللي بيقوله في الأول بس بيحاول .. وبيبدأ يسأل علشان يفهم ويعرف .. ويتقال له ده كذا وده كذا وده حلو وده وحش وكده عيب وبرافو عليك .. ساعتها لو حاول يقلد نفسه لما كان بيتهته مش هايعرف لأنه مش هايكون فاكر هو كان بيتهته إزاي .. وهايبقى سخيف أوي . 

وأول ما الطفل يبدأ يفهم .. يلاقي نفسه دخل المدرسة .. ويفتكر نفسه كبر وما بقاش طفل صغير .. ومش من حقه يتشال ويتدلع زي بقية العيال الصغيرة .. فيعيش دور الكبير الفاهم على الأصغر منه ولو بسنة واحدة ويفرح إنه عارف أكتر منه وأنه سبقه في حاجة أو شاف حاجة هو لسه ما شافهاش .. ولو الأصغر منه سأله على حاجة يرد عليه زي الكبار : يا ابني أنت لسه صغير لما تكبر هاتعرف !! .. وكأنه خلاص كبر وعرف كل حاجة !! .. وينسى أنه من كام يوم كان صغير زيه وكان بيسأل نفس أسئلته !! .. يخلص التعليم ويتخرج .. ويفتكر نفسه أنه بقى فاهم وعارف أكتر من أهله اللي ما شافوش اللي هو شافه ولا عارفين اللي هو عارفه لأنهم ناس قديمة أوي .. أو ناس كبيرة مش هاتفهم اللي هو عاوز يقوله أو اللي هو حاسه وبيفكر فيه ! .. يشتغل ويتجوز ويخلف .. ويشوف نفسه في ولاده .. ويشوف أنه كان لسه امبارح عيل زيهم .. بيتشاقى ويلعب ويسأل علشان يفهم ويعرف ! .. وبيحاول يشب علشان يطول أكرة الباب وكـأن الباب ده هو جواز سفره للعالم ! .. ولما عيل من عياله يسأله على حاجة يقول له زي ما كان بيتقال له زمان : لما تكبر هاتعرف !

كل يوم كانت عيني بتمر على الدولاب اللي في أوضتي .. لكن ما شفتوش إلا أما شيلته من الأوضه ! .. ما حسيتش بيه إلا لما مكانه بقى فاضي ! .. وبعدين بدأت أتعود على شكل الأوضة الجديد .. دلوقت أنا نسيت أصلاً الشكل القديم بتاع الأوضة !

والتعويرة اللي كانت وجعاني أوي في يوم من الأيام وفضلت معلمة في إيدي فترة طويلة لدرجة إني كنت معلم إيدي بيها .. نسيت مكانها .. نسيت أصلاً كانت في أي إيد .

دايماً باحس – غالباً بعد الوقت - إن فيه حاجات فيا بتتغير .. بتتنسي .. طباع معينة .. ناس ماتت .. ناس بعدت وراحت لحالها .. ذكريات كانت حاضرة في يوم من الأيام .. وأماكن معينة ما كنتش بافارقها ولا بتفارقني بكل تفاصيلها .. ما باحسش بالحاجات دي كلها إلا لما بتبعد عني .. لما مكانها بيفضى جوايا .. باحس إن فيه فراغ في حتة معينة فيا كان مشغول بحيز معين .. وبقى مكانه فاضي !!.. لما فرح بينتهي .. باحس إني مش هافرح تاني زي ما فرحت في المرة دي .. ولا هاضحك تاني قد المرة دي .. ومع الوقت بييجي فرح تاني يملا مكان الفرح الأولاني .. ويطل طيف ابتسامة .. وتنهيدة أقول بعدها : كانت أيام حلوة !

مع الوقت .. ومع كتر الحاجات اللي بتروح وبتيجي .. العمر بيجري ! .. الأيام بطيئة .. لكن الشهور بتجري .. وفي ثواني تلاقي الساعات بقت سنين ! .. والسنين كأنها كانت من ساعات !! .. بنكبر .. وبنتعلم .. ونفرح .. ونحزن .. ونتألم .. وننسى .. ونسأل نفسنا من غير ما نحس نفس السؤال الأبدي : هو كان فيه إيه هنا ؟؟ .. الكلمة دي أنا سمعتها فين قبل كده ؟؟ .. الموقف ده بيفكرني بموقف عشته قبل كده !! .. وتبقى مش عارف إذا كنت عيشته فعلاً ولا ما عشتوش !

لما أخويا – الله يرحمه – مات .. فضلت فترة طويلة مش مستوعب إنه مات ! .. لحد ما كنت نايم في يوم .. ونور الصالة والع بره .. قمت من ع السرير علشان أقول له : لو هاتتفرج على التلفزيون إطفي النور علشان أعرف أنام ! .. وبعد ما خرجت من الأوضة .. وطفيت نور الصالة .. رجعت تاني لأني افتكرته في الحمام فصعب عليا يخرج يلاقي الشقة ضلمة ويتخبط في حاجة .. ولعت نور الصالة .. وساعتها فقت .. وافتكرت أنه كان مات قبلها بشهرين !! .. ساعتها بس صدقت أنه مات ! .. أخويا الله يرحمه مات من تلتاشر سنة .. ما نسيتوش طبعاً .. بس ما بافتكروش زي الأول .

بدأت من فترة أحاول أتعود على حاجة .. أعيش اللحظة قبل ما تهرب وتبقى ذكرى .. بقيت أطنش .. ما أهتمش .. ما أسألش .. ما أحسبش .. ما أفكرش .. ما أتشغلش .. ما أشيلش هم حاجة لسه ما حصلتش !! .. ولأن دي حاجة صعبة جداً على بني آدم عصبي وقلوق وبيفكر كتير أوي ودماغه على طول شغالة على الفاضية والمليانة زي حالاتي .. فبدأت بالطناش أو التطنيش !! .. بدأت مؤخراً أستوعب الحيز اللي أنا فيه .. اللحظة اللي أنا فيها .. قبل ما تهرب وتبقى ذكرى !! .. وأرجع بعد كده أحاول أقلد نفسي فيها وألاقيني مش عارف ! .. ألاقيني سخيف أوي ! 

بدأت اتعود على الحاجات الكتير اللي واخدة حيز جوايا وأخد بالي منها قبل ما تروح وأكتشف إنها كانت موجودة من غير ما أشوفها أو أحسها !! .. مش مهم الحاجات دي دخلت إمتى وإزاي وفين وليه .. المهم إنها في الآخر " أنا " .. ما فيش وقت للأسئلة .. لأنها – حالياً – في حد ذاتها أجوبة لحاضر أنا عايش فيه .. ومستقبل هاعيشه إن شاء الله بدأ من اللحظة دي .. ما أقدرش أقول لنفسي دلوقت : لما تكبر هاتعرف ! .. مش لأني كبير .. ولا لأني عارف كل حاجة .. بس على الأقل لأني عارف إني ولله الحمد مسلم وإني عبد من عباد الله اللي المفروض أعبده وأطيعه حيث أمرني وأنتهي عما نهاني لأن فيه حلال وفيه حرام .. وفيه أسرة ليها حق عليا وصحة وعمر وعلم وعمل ونعم كتير لا تعد ولا تحصى .. لله الحمد والشكر عليها .. وأن في جنة وفي نار .

ناس وقعوا مني ؟؟ .. مش مهم .. هي دي سنة الحياة .. الأسف مش هايرجعهم ولا الذكريات هاترجعني تاني ليهم .. يبقى أحاول أعيش مع الناس الموجودة حواليا دلوقت .. أشبع منهم وأشبعهم مني .. أصالحهم .. وأصالح نفسي بيهم .. وأتصالح بيهم مع الزمن .. مش هاغير حد .. ولا حد فيهم هايقدر يغيرني إلا إذا كنت أنا عاوز أتغير من جوايا .. المهم .. ما أزعلش حد مني علشان ما حدش يزعلني .. ولو حد منهم زعلني .. هاسامحه .. علشان لما أزعل حد مني – من غير قصد – يسامحني .

حاجات ما عملتهاش ؟؟ .. في ستين داهية .. مش هاعملها .. لأني لو كنت عاوز أو قادر أو مكتوب أعملها كنت عملتها في وقتها .. أحلام مؤجلة ؟؟ .. خلليها مؤجلة .. على الأقل لسه قادر أحلم .. رزق ما جاليش ؟؟ .. يبقى ما كانش بتاعي .. وبعدين هو أنا ليه هاصعبها على نفسي أوي كده ؟؟ .. والله الحياة ما مستاهله كل ده !! .. حد ضامن عمره ؟؟ .. الواحد لو بيفكر في الآخرة وبيعمل لها حساب كده ما كانش ده بقى حاله !! .. أه .. هارجع تاني أفكر في حالي ؟؟ وأنشغل بنفسي عن نفسي ؟؟ .. لالالالا .. كأني ما كتبتش السطر اللي فات ده خالص ! .. أنا حلو .. أنا مبسوط .. الحمد لله .. أنا زي الفل .. بجد والله أنا في نعمة من المولى عز وجل .. ألف حمد وشكر ليك يا رب .. أحسن من ناس كتير مش عايشين زي ما أنا عايش .. أحسن من ناس كتير أصلاً ماتوا وما عملوش حساب لأخرتهم .. لأن الدنيا سرقتهم .. الآخرة .. هي الحاجة الوحيدة اللي الواحد لازم يعمل حسابها ويشيل همها ويزعل علشانها بجد .. غير كده لأ ! .. أنا باكتب البوست ده ليه ؟؟ علشان لو يوم اتضايقت من نفسي .. أو رجعت تاني أحرق في دمي وأتنرفز وأتعصب .. أبقى أقراه .. وأعرف إني في يوم كتبت الكلام ده !! .. وإني وصلت بتفكيري للنتيجة دي !! .. وإن كل الكلام اللي فوق ده .. ما كانش مجرد كلام واخد حيز جوايا ولما جه كلام غيره اتنسى !! .. رغم إني عارف ومتأكد إني هانساه .. ليه ؟؟ .. إقرا البوست من الأول !! .. ولا أقوللك !!.. لما تكبر هاتعرف :))