عم حسن الساعاتي







زمان .. وأنت صغير .. كنت دايماً تيجي لي وتشتكي من أن ساعتك بتأخر .. كنت عيل زي كل العيال .. عاوز يجري .. ويطير .. ويسبق الزمن ! .. كنت باضحك عليك وأعمل نفسي باصلحهالك .. وكل اللي كنت باعمله إني بانضفها بالبنزين .. وأما كبرت شوية .. قلت لي أنك عاوز تبيعها علشان زهقت منها .. ومابقتش لايقة عليك .. ضحكت في سري وإديتك ساعة شكلها حلو .. بس تقليد .. وخلّيت ساعتك عندي وما رضيتش أبيعها .. لأن معدنها أصيل .. ما بيتغيرش .. مهما الزمن أتغير .. ولما كبرت رجعت خدتها .. إنما دلوقت يا ابني مش هاينفع أضحك عليك زي زمان .. وأقول لك أن الساعة فعلاً بتقدم ! .. لا يا ابني ! .. ساعتك مظبوطة .. بس الوقت هو اللي هرب منك من غير ما تحس ! .. لو مش عاجباك ارميها والبس أي ساعة غيرها .. وهاتلاقي أن الوقت هو الوقت .. لا بيقدم ولا بيأخر .. الوقت ما بيتغيرش .. ولا بيستنى حد ! .. حتى لو مشيت من غير ساعة .. أو وقـّفت كل ساعات الدنيا ! .. صبح فِ ليل .. يموت يوم .. ويوم في شهر .. سنة تخلص ! .. وآهو كله من عمرنا .. المشكلة إننا دايماً بنظبط ساعاتنا وما بنظبطش نفسنا .. سبحان من له الدوام !


زمان .. لما كنت أخدك ونطلع فوق السطوح نطير الطيارة الورق .. كنت دايماً بتسألني هي ليه مش بتوصل عند العصافير ؟؟ .. كنت باقول لك : علشان مربوطة بخيط .. رحت من ورايا وطولت الخيط .. وفضلت تطلعها .. تطلعها .. تطلعها .. لحد ما غابت عن نظرك واختفت .. رجعت لي ساعتها تعيط .. بخيط مقطوع .. ومن غير طيارة ! .. قلت لك : يا خايب ! .. بدل ما كنت تبـُص للعصافير .. كنت بـُص للقمر .. بـُص للنجوم .. كانت طيارتك هاتوصل وما كنتش هاتحتاج أنك تطول الخيط ! .. المهم إن عينك ما تبعدش عن طيارتك أبداً ! .. مهما اختفت .. ومهما الشمس ضربت في عينك ! .. والأهم ! .. ما تنساش أنك واقف برجليك ع الأرض ! .. بس يظهر أنك نسيت الكلام ده لما كبرت ! .. مش علشان بطلت تطير طيارات .. لأ ! .. علشان بطلت تحلم ! .. وقفت مكانك وعينيك في الأرض .. مستني القمر يمد لك إيده ويطلعك لفوق ! .. ومن كتر ما استنيت ! .. العصافير شخت عليك !


زمان .. لما قلتلي أنك بتحب لأول مرة ..  قلت لك : ده مش حب ! .. زعلت مني وخاصمتني .. افتكرت أني راجل كبير وما بافهمش ! .. ما فيش شهر وسبتها .. ورجعت لي تعيط .. قلت لك : لو كنت بتحبها ما كنتش سيبتها ! .. أنت كنت عامل زي اللي ماشي فِ صحرا وميت م الجوع ! .. وأول حاجة لقاها راح واكلها .. من غير ما يعرف هي إيه ؟ .. وتنفعه ولا لأ ؟ .. كنت عاوز تحس أنك شبعان وخلاص .. تاني مرة بقى .. كنت غبي ! .. لأنك ما كنتش جعان ! .. أنت كنت تعبان ! .. وبدل ما تهدى وترتاح .. قلت تشتري أي حاجة تنفعك لما تجوع ! .. ولما ارتحت .. اكتشفت أنها ما تنفعكش وأنك اتسرعت ! .. تالت مرة .. ما كنتش قاصد تحب .. علشان كده حبيت واتجوزت.


 زمان .. قبل ما تسافر .. جيت علشان تسلم عليا .. فضلت اتملى فيك كأني باصورك .. كأني باحفر ملامحك فيا .. كنت لابس نفس القميص الزهري المقلم والشيرز الرمادي على البنطلون الجينز .. ساعتها أنت رحت اشتريت خمس أرغفة من الفرن وجبنة اسطمبولي وفول حراتي .. لسه طعمهم في بقي لحد النهارده ! .. قلت لك : أن الغربة زي القمار .. الغالب فيها دايماً خسران .. ما سمعتنيش ! .. قلت لك : مش هاتشوف ولادك وهما بيكبروا قدام عينيك .. هاتنسى أهلك وصحابك والبيت اللي اتربيت فيه ! .. ما صدقتنيش ! .. قلت لك : إن ضحكت في الغربة مش هاتضحك من قلبك .. وإن بكيت ما حدش هايطبطب عليك .. وإن مـُت ما حدش هايمشي وراك .. قلتلي : طولة العمر للقرش ! .. طيب ! .. أديك سافرت واتغربت عشرين سنة .. وراجع بنفس الهدوم اللي كانت عليك قبل ما تسافر ! .. القميص الزهري المقلم والشيرز الرمادي على البنطلون الجينز .. إيه اللي حصل ؟؟ .. خدت شقة أوسع في منطقة أنضف ؟؟ .. بس طالما ما حدش يعرفك فيها تبقى منطقتك دي برقبتها ! .. شيلت قرشين في البنك ؟؟ .. تقدر تشتري بيهم أهل وصحاب بدل اللي نسيتهم ؟؟ .. تعرف تشتري بيهم ذكريات تعوض بيها سنين الغربة ؟؟ .. تقدر ترجع الزمن عشرين سنة ؟؟ .. ما تعيطش يا ابني ! .. ما تعيطش ! .. مد إيدك فوق الرف هاتلاقي طيارتك القديمة .. إديها لابنك الصغير يطيرها .. متهيألي دلوقت لو سألك : هي ليه مش بتوصل عند العصافير هاتعرف ترد عليه .(تمت)


* الصورة من مدونة بنت الصعيد