ابتسامة ذات مغزى




رن هاتفه المحمول بنغمته المميزة بإزعاجها .. وجدتني أراقبه من خلف مكتبي في فضول .. كان يخفت من صوته .. يتلفت في خجل وقلق .. بعد أن انهى مكالمته أخبرنا إنها زوجته .. تذكره ببعض الطلبات المنزلية ليحضرها في طريق عودته .. تناثــُـر الكلام من حوله أتاح له الفرصة في إفلات إبتسامة .. كانت ذات مغزى بالنسبة لي .. أعلم إنها اتصلت بك لتخبرك بإنها في إنتظارك على الغذاء .. وإنها قد تركت الأولاد عند أمها .. لتحتفلا معاً بعيد زواجكما .. تتصل لتخبرك في ود .. ألا تنسى إحضار الشموع .. وباقة صغيرة من زهرات البنفسج معشوقتها .. وبعضاً من ثمرات التفاح بلون السهرة المنشودة !!
تتصل لتتذكر خجلك من تلقاء نفسك إذا كنت لم تحضر لها هدية حتى الأن !! .. تتصل لتجهض مبرراتك في الإفلات من واجباتك الزوجية !! .. تتصل وهي تعلم إنك لن تقل لها : بحبك .. تتصل فقط لتسمعها في أنفاسك الفرحى بها .. تزداد أنوثة هي في مخيلتك .. تزداد الفرص الطيبة في مخيلتها لقضاء أمسية العام !!


أعلم كل هذا .. وسأغض بصري عن ابتسامتك .. فلا تخش على سرك الصغير مني !! فاليوم أيضاً عيد زواجي .. ولم أحضر هدية بعد !!



في الطريق .. تتشبث الطفلة بذراع أبيها في إستماته .. ترفس بقدمها الصغيرة في الأرض .. كانت قد أضافت بسعادتها بضعة سنتيمترات إلى قامتها .. حتى تستطيع أن ترى الدمية البلاستيكية المعروضة في واجهة إحدى المحلات .. تحاول إرغام والدها على شراءها ... ينظر إلى الدمية في دهشة وإلى ابنته في حسرة .. يهمس إليها بكلمات مغمغمة .. أكاذيب مغلفة بالوعود لا تستر كذبه المفضوح .. تنظر إليه الابنه في شك .. تحذره بسبابتها من الحنث بوعوده .. يوأد أصابعها داخل راحة يده .. ويجذبها بعيداً عن المحل .. تنظر الطفلة إلى الخلف لتطمئن على دميتها .. تودعها الدمية بابتسامة ذات مغزى !!

أعلم أن الأب مفلس .. كنته من يومان .. لم أساوم في سعر الدمية .. شكرت البائع وانصرفت في هدؤ .. عليّ أن أسير بحذر .. حتى أصل إلى المنزل بسلام .. فهائنذا حقيقة احتضن حلم ابنتي !




أعود ثانية إلى الميدان .. اشتري التفاح .. وأمر على محل للملابس الداخلية الحريمي .. انتقي أول طاقم معروض .. رغم إنه لم يثيرني .. إلا أن لونه يناسب بشرة زوجتي .. هكذا أفضل – أحدث نفسي في خبث - اتحاشى النظرات الجائعة للبائعة ! .. أدفع الحساب وأخرج مهرولاً خجلاً .. في إحدى الأزقه .. أتحسس ملمسه بيدي داخل الكيس البلاستيك – الذي أصررت على أن يكون غامقاً حتى لا يفضح ما هو مفضوح بذاته – تخيلته على زوجتي .. انتشيت .. نشوة التخيل .. جعلتني ابتسم إبتسامة ذات مغزى !




في محل الورد .. انتقي زهرات البنفسج بعناية .. أحوطها بباقة من الورود البيضاء – عديمة الرائحة – يقوم البائع برش معطر عليها .. فيطمس برائحة عطرة الفج اللون المميز للزهرة .. ارمقه بإشمئزاز .. واستدر لانصرف .. فينادي علي بباقي الحساب .. تفلت مني حقيبة الملابس الداخلية على الأرض .. وتطل منها إحدى القطع في دلال وغنج .. تنزلق حبات العرق على وجهي .. يلتقطها البائع كالصقر .. ويتباطأ في مناولتي إياها .. ليتسنى له تخيلها على جميع نساء الأرض – أتمنى أن تصدر فتوى قريباً بفقأ عين الناظر إلى الملابس الداخلية !! – أشكره في إشمئزاز .. قررت عدم التردد عليه ما حييت !! .. يودعني في حرارة ويبتسم لي إبتسامة ذات مغزى !


لاحقاً .. اكتشف .. بأنني لم آخذ باق الحساب .. يالسذاجتي عريت زوجتي مجاناً .. ماذا لو علمت ؟؟ .. اتناسى الموضوع حتى لا أفسد الأمسية !!




مع غلق باب المنزل .. تظهر ورقة مصفرة مثبتة بمسمار - كانت يوماً تشكل جزءاً من شيكارة أسمنت - تواجهني في تحدي سافر .. يطالب فيها المالك بدفع فاتورة المياة .. إنذار مستتر مكتوب .. الورقة مثبتة بمسمار .. رأس المسمار ينظر إلى الأعلى في صلف وتماهِ .. كصاحب المنزل بالضبط !


أدق على باب شقته .. يقابلني بمزيج من البلاهة والغباء .. لا يدعوني للدخول .. أعطه تفاحة .. يتلاشى الغباء لثوان ِ .. يلح عليا في الدخول .. أعتذر في أدب .. أمازحه وأنا أشير إلى ورقة الأسمنت : بس حاسب أحسن حد من السكان إيده "تشُك" وهو بيفتح الباب !! .. تختفي البلاهة ليعود الغباء .. يضحك مجاملة .. أنقده المتأخر من فواتير المياه .. يغطي صوت ارتطام التفاحة بأسنانه على صوت غلقه لباب شقته !! .... بعد صعودي ثلاث درجات سمعته يقهقه بغباء .. ها هو أخيراً قد فهم القفشة !! .. ابتسمت للورقة الصفراء ابتسامه ذات مغزى وصعدت إلى شقتي !!



تفاجئني النغمة المميزة لهاتفي المحمول !

تذكرت .. حديث أبي الصباحي مع صاحب المنزل بشأن إرتفاع فواتير المياه .. وشكوى أمي بالأمس من ارتفاع سعر كيلو الطماطم الذي قارب من سعر كيلو التفاح الأمريكاني .. أخي لا زال يندهش من "سماح" ابنه عمي - رحمه الله – التي لا تزال تذهب إلى قبر والدها كل خميس وتنثر عليه ما تيسر من زهر البنفسج رغم مرور كل تلك الأعوام واندثار البنفسج !! .. لاحظت أن "أم رجب" جارتنا سيئة السمعة .. قد اعتزلت نشر ملابسها الداخلية مفردة على حبل الغسيل .. دون ساتر من ملاءات السرير !! وأصبحت الأن تنشرهم خلف ملابس زوجها الجديد – الثالث على ما أتذكر – هو وابنته اليتيمه .. لتنشر إعلان توبتها وتبنيها ابنه الزوج في حبل واحد !! .. في الحارة الصغيرة .. لا زال صبي السمكري .. البالغ حديثاً .. يستدرج الأطفال الأصغر سناً داخل سيارات الزبائن المهجورة – لا أدري السيارات أم الزبائن ! - وسيلته في ذلك .. دمية بلاستيكية كان قد عثر عليها في إحدى مقالب القمامة بجوار مسكنة .
أنا الأن في حجرتي أجلس لأدون.. أقضم قطعة من الشيكولاته .. وابتسم إليكم
ابتسامة ذات مغزى !!